العرب والعالم في زمن بلا يقين

ت + ت - الحجم الطبيعي

يقولون جن جنونه. ويصفونه بـ«المهتز» و«المختل». وأقل النعوت قسوة هو أنه فاقد البوصلة. الكبار مشغولون بمرحلة تكسير العظام. والمحيطون بهم متخبطون بين الضلوع في التكسير والنأي بأنفسهم عن المشهد لعل في البعد غنيمة وفي الحياد طوق نجاة. والآخرون كل يغني على ليلاه، لكن «ليلى» في السياق العالمي الجديد لا تخرج عن كونها محاولات خروج من صراعات طالت، أو جهود تجنبت المزيد من القلاقل، أو اجتهادات لتقليص هوامش الخسارة التي باتت شبه مؤكدة.

العالم في وضع غريب مريب. بمعنى أدق، لا يبدو، بل هو في وضع أغرب من الغرابة. نخوض جميعاً مرحلة بالغة الصعوبة من عدم اليقين. المجاعات والحروب والأوبئة والصراعات ومشاحنات المصالح والمنافسة جميعها مثيرة للقلق، لكن غالباً لكل منها مرجعية تاريخية تمكننا من التنبؤ بمآلها وأسوأ آثارها. لكن حين يجتمع كل ما سبق في وقت واحد في ظل كوكب رفع شعار «العالم قرية صغيرة»، فإن هذا يعني أن الآثار السلبية مضاعفة، وأن محاولة تجنب آثار ما يحدث في دولة ما بحجة أنها بعيدة أو لا تربطنا بها صلة أو مصلحة غالباً شبه مستحيلة.

ويكفي أزمة سلاسل التوريد العالمية التي لم تكد تلتقط أنفاسها عقب عامين من الإغلاق وشبه الإغلاق بسبب كوفيد 19، حتى جاءت أزمة أوكرانيا والإغلاقات المتجددة في بعض المناطق في الصين لتزيد الأمر سوءاً. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن أزمة رقائق الكمبيوتر التي تستخدم في صناعة السيارات، وعلى الرغم من أن لا روسيا ولا أوكرانيا تصنعها، إلا أن أوكرانيا هي المصدر الرئيس للنيون اللازم لتصنيعها.

هذه «القرية الصغيرة» إذن ليست «يوتوبيا» التي كان يعتقدها البعض على أساس أن الجميع متصل ومتعاون ومتعارف، وأن كلاً منا باتت لديه القدرة على معرفة ما يدور في بقية أنحاء العالم بكبسة زر.
كبسات الزر تلك التي أتاحتها الثورة الرقمية هي الأخرى ليست «يوتوبيا رقمية»، بل فيها الصالح والطالح. صالحها أتاح للبشرية المعرفة والاطلاع ورقمنة العديد من الخدمات والأنشطة، لكنها يسرت كذلك أدوات شائعة الفوضى لدرجة إسقاط دول وتشريد شعوب. ولأن العالم قرية صغيرة، فإنه في الإمكان القيام بالمهام المطلوبة في مشارق الأرض بكبسات زر قابعة في مغارب الأرض.

وتخبرنا مجريات الأمور أن مشارق الأرض ومغاربها متصلة ليس فقط بفضل كبسات الزر، ولكن بفعل أزمة المناخ الحادة. لم تعد قضايا المناخ – كما تصور البعض - تهيؤات في أدمغة المجتمعين في غرف مغلقة، لكنها واقع معاش بدرجات متفاوتة. والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس حين وصف قبل أيام الجهود المبذولة للحفاظ على ارتفاع درجات الحرارة عند 1،5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعة بأنها «تعيش على أجهزة الحياة»، لم يكن مبالغاً أو متشائماً، بقدر ما كان صادقاً في التوصيف.

وصف «النكد الاقتصادي» الذي يطلقه البعض على الأوضاع المعيشية لمليارات البشر حول العالم بالغ الدقة. فكلما همت دولة بالتقاط أنفاسها من أزمة ما أو أنهت فترة من القلاقل أو خرجت سالمة إلى حد ما من تجربة الوباء، حتى وجدت نفسها مجبرة على خوض معاناة جديدة فرضتها عليها «القرية الصغيرة»، فأصابتها وشعبها بنكد اقتصادي متفاوت الدرجات.

ومهما بلغت درجة عدم اليقين في عالمنا، تظل هناك مخارج وأطواق نجاة وحلول مستدامة. جلسة «البيان» الحوارية عبر «تويتر سبيس» قبل أيام تحت عنوان دال رغم طرحه في صورة سؤال: «هل طوى العرب صفحة الحقبة السوداء؟» أنارت الطريق. والطريق لا يمكن خوضه دون التسلح بمعرفة ما جرى لعدم تكرار الأخطاء. ما بدا ربيعاً عربياً لم يكن كذلك. والجهة الوحيدة التي انتفعت مما جرى هي «جماعة الإخوان»، والتي قضي أمرها بفضحها ومن يدعمها عملياً، لذلك يفترض ألا تستهلك من العرب المزيد من الجهد أو الوقت. وهذا «الربيع» المزعوم كشف الستار عن نقاط الضعف والقوة في النظام العربي الإقليمي. كما سلط الضوء على أهمية «الدولة الوطنية» التي تمت التضحية بها على مدار عقود لصالح جماعات وأيديولوجيات.

على الأقل، حدثت المكاشفة في المنطقة العربية، وتزامن ذلك وهذه الحالة الكبرى من عدم اليقين في العالم. وهذا يعني أن في الإمكان البناء أحسن مما كان، وأن التحالفات العربية الجديدة قائمة على معرفة حقيقية ومصالح مشتركة ويقين بانتهاء زمن «يوتوبيا» الأفكار دون الأفعال. لدينا فقر وتفاوت رهيب في المستويات وحاجة ماسة إلى إعادة بناء وعي وثقافة، لكن لدينا كذلك الوعي الكافي بأن القادم أفضل في حال كان أكثر واقعية وتنموية وتنويرية.

طباعة Email