السجادة الحمراء لا تليق بهم

ت + ت - الحجم الطبيعي

يعاني المحتوى الإبداعي العربي على تنوع أشكاله وقوالبه من مشكلات تتعلق بمسؤولية النقد ومنهجيته، فمع الاهتمام النسبي بدرجات متفاوتة بتحفيز عملية الإبداع والمبدعين، يبدو النقد الموضوعي الذي يعد أحد المقومات الأساسية لأي تجربة إبداعية، عبئاً على الساحة، سواء بغيابه بالأساس، أو بحضوره الباهت، وممارسات تشوبها الانطباعية، والأحكام المسبقة، والتأثر بسطوة أعلام ومشاهير، وحتى مؤسسات نافذة، وغيرها من العوامل، وهي القاعدة التي تحمل استثناءات إيجابية قطعاً.

وتقود قراءات نقدية معاصرة عديدة إلى عبارات تمجد الأحداث والفعاليات والتجارب الفنية والثقافية بشكل مجاني، يجعل من يفترض أنه يقوم بالعملية النقدية وكأنه صاحب مهمة تسويقية، فيتحول من عين المتلقي وعقله، وضمير الإبداع الحاضر، إلى غائب الوعي النقدي، تأسره ألق سجادة حمراء، وامتنان منمق.

المرور على سجادة الاحتفاء الحمراء لا يتيح رؤية بانورامية لإبصارها، والاقتراب منها أو وصفها ليست وظيفة الناقد، ومحيطها ليس الساحة الأنسب للتواصل مع المارين على سطحها البراق، ووجه الناقد وإن طاله بصيص من الأضواء المسلطة لا يبدو منسجماً مع سجادة أعدت لاستقبال أعلام وضيوف من أجل صناعة لقطات تسويق الحدث، رغم أن تاريخنا النقدي مليئ بالأسماء التي حرصت على الاحتفاظ بمسافة مناسبة تفصلها عن جهات الإنتاج وصناع المحتوى الإبداعي محل النقد، وتمنحها الحرية والمساحة اللازمتين لممارسة النقد الموضوعي المتزن، ما أكسب آراءها مزيداً من الاستقلالية والموثوقية والنزاهة.

وفي مقابل النبرة الغزلية المديحية التي تخرج التناول النقدي عن وظيفته ومفهومه، نجد من يحصره على الانتقاد والتقاط ما يراه سقطات أو سوءات في العمل الإبداعي، فيما تقبع بين الحالتين فئة تحسب نفسها ناجية من الإفراط في أحد جانبيه، وتقف فيما تعتقد أنها المنزلة الوسطى بين منزلتي ثناء المديح ومجاملاته من جهة، والانتقاد الهادم البعيد عن الموضوعية والحيادية من جهة أخرى.

ويشير واقع المشهد إلى أن الحرص على الوقوف في تلك المساحة بحد ذاته يقود إلى نتائج كارثية بعيدة عن الموضوعية، كون الناقد انطلق بالأساس منشغلاً بقضية شخصية لا يسعى فيها إلى استجلاء أحكام مجردة، بقدر ما يشغله الحرص على إظهار التحلي بالحيادية، التي قد تكون مضللة، لأن الوقوف على مساحات واحدة من الجمال والقبح، ومن الإجادة والإخفاق، ومن مواطن الحسن، ومكامن القبح، في العمل الفني لن يكون حياداً موضوعياً.

وصلت هذه الحيادية المزيفة ببعض المحسوبين على العمل النقدي إخضاع ما يكتبونه أو يصرحون به أو يسردونه، لميزان كمي حساس، بمعنى أنه إذا كان لأحدهم ثلاثة مآخذ على نتاج بعينه، فيجب أن يتبعها بثلاث إشادات، وكأننا بصدد معادلة نقدية نتيجتها صفرية دائماً.

هناك أيضاً فئة من المحسوبين على المجال ذاته، تبني أحكامها النقدية بناء على خبرتها بالمبدع لا الإبداع ذاته، وذائعو الصيت لديها هم أصحاب علامة جودة، متى ما التصقت بمنتج ما زادته قيمة، ومنحته صك الإجادة، وهذه الفئة أحكامها دائماً انطباعية ولا تعتمد على مقاييس نقدية، وغالباً ما تميل إلى إقصاء تجارب الشباب وأصحاب المحتوى غير التقليدي أو الأكثر حداثة.

هذه الفئة أراها الأشد ضرراً بالبيئة النقدية، والأكثر نجاحاً في إصابة أي ساحة إبداعية بالتكلس والجمود، فلا يمكن قصر الإجادة على أسماء أو حتى جيل بعينه، كما لا يجوز إقصاء التجارب الشابة من أي مشهد إبداعي يرجى استمراريته وبقاؤه مواكباً لاحتياجات المتلقي المتجددة، وعاكساً لأولويات المجتمع وأبنائه على تنوعهم الثري.

 

طباعة Email