يوم دراسي أقصر

ت + ت - الحجم الطبيعي

في مثل هذه الأيام والأجواء من كل عام، تنتابني ذكريات المدرسة. أجواء سبتمبر المتأرجحة بين بقايا حر الصيف، وبشائر نسمات الخريف الباردة، مع التغيرات الطارئة على أصوات زقزقة العصافير، تستدعي ذكريات المدرسة. المدرسة تحتل بين 12 و14 عاماً من مسيرة حياة كل منا. وهي أعوام أقل ما توصف به بأنها فارقة ومصيرية.

ذكريات المدرسة فيها الحلو، وفيها ما بدا وقتها أنه مؤلم وممل وثقيل، لكنه دون شك ترك آثاراً لا تخلو من فوائد وإيجابيات. ومع هذه النسمات من كل عام، أتذكر كيف أن طول اليوم الدراسي كان دائماً يؤرقني. مدرستي كانت شديدة الالتزام - أحياناً لدرجة المبالغة - في كل تفصيلات اليوم المدرسي.

وقد عرفت بعد سنوات كثيرة قيمة زرع هذا الالتزام الذي بدا في حينها مؤلماً وبلا طائل، لكن من يلتزم بمظهر وسلوكيات ومواعيد وترتيبات صارمة يظل على الأرجح حاملاً سمة الالتزام طيلة العمر، ويورثها لأبنائه وبناته.

لكن الالتزام بثماني ساعات يومياً كان أمراً مرهقاً جداً. فأن تكون في المدرسة في تمام السابعة والنصف صباحاً يعني أن تستيقظ قبلها بساعة على الأقل إن كنت تسكن قريباً منها. وأن تنصرف من المدرسة في الثالثة والنصف بعد الظهر يعني أنك لن تكون في البيت قبل الرابعة والنصف.

ومع إضافة ساعة أخرى للاستحمام والغداء، فهذا يعني أن قائمة الواجبات المدرسية يجب أن يتم إنجازها فيما لا يزيد على أربع ساعات. والحقيقة أن القائمة كانت تحتاج أكثر من ذلك بكثير، لا سيما وأن بدء المذاكرة بعد يوم دراسي طويل يحتاج وقتاً إضافياً بسبب الإجهاد الذهني والبدني.

وظل حلم اليوم الدراسي الأقصر يراودني لعقود بعد تخرجي. وقبل أيام، طالعت تحقيقاً في «البيان» عنوانه «طول اليوم الدراسي ملل وإرهاق وفقدان لشغف التعليم». هذا تحديداً ما شعرت به طيلة السنوات الـ14، لكني لم أكن قادرة على ترجمة مشاعري إلى كلمات وبالطبع أفعال، وإلا تعرضت لما لا يحمد عقباه من الأهل والمدرسة! فالشكوى كانت ممنوعة، والتململ سمة من سمات الكسالى والمهملين. والكسل والإهمال كانا حينئذ وصمة.

لكن اتضح أن طول اليوم الدراسي غصة في حلق كثيرين. ليس هذا فقط، بل إن العلاقة بين كثرة عدد الساعات وقوة أو جودة أو مهارة التحصيل الدراسي لم يتم إثباتها علمياً أو نفسياً. من جهة أخرى، ربما يكون طول اليوم الدراسي مفيداً في حال تخللته أوقات راحة ووجبة دافئة وأنشطة رياضية وفنية، وكل ما سبق لا يتوافر بالضرورة في كل المدارس.

لكن كل المدارس فيها طلاب وطالبات يعانون الإرهاق، لا سيما وأن أغلب المدارس لا تتيح منظومة إنجاز الواجبات المنزلية في المدرسة. ونسبة كبيرة من المدارس تعتبر حصص الرياضة البدنية والموسيقى وغيرهما من الأنشطة إهدار وقت. وهذا يؤدي إلى تحويل الحصة إلى رياضيات أو علوم أو جغرافيا، وهو ما يؤدي إلى مزيد من الإنهاك لعقول الصغار ونقص الشغف بالتعليم والمدرسة.

قبل بضع سنوات، طرح أحد كتاب مجلة «ذو أتلانتيك» الأمريكية فكرة بدت غريبة. قال إن مواعيد اليوم المدرسي في الولايات المتحدة الأمريكية ليست مناسبة لطرفين رئيسيين من أطراف العملية التعليمية هما: الطلاب المراهقون وأولياء أمورهم.

فاليوم المدرسي يبدأ عادة في الثامنة إلا دقيقة صباحاً، وهو توقيت مناقض للساعة البيولوجية المعدلة من قبل المراهقين. وينتهي اليوم الدراسي ساعتين قبل عودة الأهل إلى البيت. وخلص الكاتب إلى نتيجة مفادها أن مواعيد اليوم الدراسي ليست مقدسة، ويجب تعديلها لصالح أطراف العملية التعليمية.

بالطبع يمكن رفض ما طرحه الكاتب، لا سيما وأن الساعة البيولوجية الطبيعية حيث الاستيقاظ صباحاً والعمل نهاراً والراحة مساء والنوم ليلاً هي الأفضل. وتعديل الساعة من قبل فئة عمرية معينة تفضل الاستيقاظ ليلاً والنوم نهاراً أو لمتطلبات العمل ليست حلولاً مستدامة.

المستدام هو النظر في عدد ساعات اليوم الدراسي، والتأكد من مدى ملاءمتها للأعمار والقدرات المختلفة. كما ينبغي النظر بعين الاعتبار إلى ماهية محتوى اليوم الدراسي، وإن كان يحتوي على جرعات «لا صفية» Extra currucilar كافية، وهي الجرعات التي تمد الطلاب بالطاقة الإضافية وتنعش أذهانهم وأبدانهم.

المدرسة ينبغي أن تكون مكاناً جاذباً للطلاب. والتمسك بيوم دراسي طويل جداً، أو تخصيص جل الوقت للشرح والامتحان على حساب الأنشطة والترفيه، أو مقاومة أي تعديل عملاً بمبدأ «ما تعرفه أفضل مما لا تعرفه» أمور تهدر طاقة الصغار، وتفوت عليهم فرصة التحصيل بشكل أفضل والاستفادة من الوقت بشكل أحسن.

إنه سبتمبر وأجواؤه المدرسية المعتادة، لكن ربما حان وقت بعض التعديل لتعظيم الانتفاع للطالب والمعلم وولي الأمر.

 

طباعة Email