ذكريات العهد «الإليزابيثي» ستبقى أطول من «الفيكتوري»

ت + ت - الحجم الطبيعي

عندما تولّت الملكة الراحلة، إليزابيث الثانية، عرش بريطانيا العام 1952، كان من الممكن شراء منزل رائع في المملكة المتحدة مقابل 10.000 جنيه إسترليني فقط، بينما يبلغ ثمنه الآن عدة ملايين من الجنيهات الإسترلينية. وكانت اللحوم، الحلويات، الشاي، الزبد، السمن النباتي ما زالت تُصرف للبريطانيين آنذاك كحصص تموينية.

وكانت قلة من البريطانيين تمتلك ثلاجات، غسالات أو حتى هواتف آنذاك. كانت المراحيض العمومية منتشرة آنذاك، فيما أجهزة التلفاز ما زالت اختراعاً جديداً، وأجهزة التدفئة المركزية مُجرّد إشاعة. كانت سماوات المُدُن البريطانية مُلبّدة بالدخان بسبب انتشار استخدام الفحم، بينما البيوت مُعبّأة بالدخان أيضاً لأن السجائر كانت بين شفتي كل شخص بالغ تقريباً.

كان الأطفال البريطانيون يبدؤون اللهو من دون مراقبة من جانب الكبار آنذاك بعد فترة قصيرة من تعلمهم المشي، وكانت معدلات الجرائم منخفضة، وغالبية الأبواب الأمامية للمباني تُترك مفتوحة. كانت أحكام الإعدام شائعة على نحو كاف جعل وسائل الإعلام البريطانية في غير حاجة للتعليق عليها، عدا حالات الجرائم التي تثير ضجة مُجتمعية.

كانت غالبية السيدات لا يعملن. ومن تعمل منهن، لا تترقى إلى مناصب حكومية مرموقة، وربما كانت الملكة الجديدة هي الاستثناء الوحيد من ذلك.

كان من النادر آنذاك رؤية وجوه غير بيضاء اللون في الشوارع أو في الأماكن العامة. كانت بريطانيا لا تزال بلداً صناعية إلى حدٍ كبير، كما إنها امبراطورية، وإن كانت لا تمتلك الموارد الكافية لدعم تلك الإمبراطورية. كافة الحقائق المذكورة أعلاه، باستثناء الكلمات التسع الأخيرة، تغيرت على مدار عهد إليزابيث الثانية.

ربما لم تشهد بريطانيا تغيرات وتحولات بهذه الكثافة تحت حُكم عاهل واحد، وربما ولا أي بلد آخر أيضاً. وفي ظل الاضطرابات العنيفة التي أحاطت بها «بما في ذلك الاضطرابات التي طالت أفراد أسرتها»، كان الاستقرار الذي يميز شخصية الملكة لافتاً ومُميزاً.

لا ينسى البريطانيون الكلمة المهيبة التي ألقاها رئيس الوزراء الأسطوري الراحل، ونستون تشرشل، عبر الإذاعة، عشية تولي إليزابيث الثانية منصب الملكة رسمياً. لقد توقّع تشرشل في كلمته أن يتسم عهد الملكة الجديدة بما أسماه «عظمة ونبوغ العصر الإليزابيثي». ومن بعد كلمة تشرشل، ظل مفهوم «الإليزابيثيون الجُدُد» منتشراً لفترة طويلة، لوصف أنصار الملكة الشابة.

آخر عاهل بريطاني سمّي عهده باسمه قبل إليزابيث الثانية كانت الملكة فيكتوريا، فكنا نسمع ونقرأ مُصطلح «الفيكتوري» لوصف عهدها، إلا أن استخدام هذا المُصطلح بات الآن مهجوراً إلى حد كبير، وحتى استخدامه صار لأغراض غير سياسية.

فعلى سبيل المثال، يستخدم الأمريكيون الآن مصطلح «الفيكتوري» لوصف المنازل الأمريكية القديمة المُشيّدة على النمط المعماري الذي كان سائداً إبّان عهد الملكة فيكتوريا. على النقيض من ذلك، يُتوقّع على نطاق واسع، أن يبقى مُصطلح «الإليزابيثي» مُستخدماً لفترة طويلة، حتى بعد وفاة اليزابيث الثانية.

ويُعزى هذا إلى سببين. الأول أن اليزابيث الثانية تفوّقت على فيكتوريا في طول مُدّة الجلوس على عرش بريطانيا، فقد استمر مُلكُها 70 عاماً، بالمقارنة مع 63 عاماً فقط هي مدة العهد «الفيكتوري». ويُعزَى السبب الثاني إلى كثافة التغيرات والتحولات التي شهدها العهد «الإليزابيثي»، بالمقارنة مع العهد «الفيكتوري»، فضلاً عن سرعة إيقاعها. إننا نتحدث عن ملكة بقيت على العرش لسبعة عقود متتالية.

ويمكننا اختيار عنوان واحد لكل عقد من هذه العقود السبعة، بحسب تأثير العنوان على حياة البريطانيين. فقد تميز أول عقد للعهد «الإليزابيثي»، وهو عقد الخمسينيات بهدوئه إلى حد الملل، نتيجة التزام غالبية البريطانيين فيه بالعادات والآداب الأخلاقية، فيما جاء عقد الستينيات على النقيض منه تماماً، حيث اتسم بتحول اجتماعي أخلاقي كان من ضمن مقدماته ظهور موسيقى «روك أند رول».

وجاء عقد السبعينيات، فكان أبرز سماته انتشار المماحكات، المكايدات، وحب الجدال على كافة الأصعدة، سياسية، اقتصادية أو اجتماعية. واقتضت هذه المماحكات ظهور شخصية سياسية قوية لتُنهيها، فكان صعود نجم المرأة الحديدية، رئيسة الوزراء الشهيرة الراحلة، مارغريت تاتشر، فكانت «التاتشرية» هي سمة عقد الثمانينيات. وجاء عقد التسعينيات بقضايا شائكة طالت العائلة المالكة نفسها.

ودلف البريطانيون إلى الألفية الثالثة، وهم أعضاء بالاتحاد الأوروبي، فكانت عضويتهم به هي أبرز سمات العقد الأول من الألفية. وتمرد بعض البريطانيين على الاتحاد الأوروبي في العقد الثاني من الألفية الثانية هو عقد «بريكست». وأخيراً، أطل العقد الثالث من الألفية الثالثة، وهو الذي شهد وفاة الملكة، بينما يعاني البريطانيون تضخماً غير مسبوق، لا أحد يعلم متى ينتهي.

* كاتب وصحفي بريطاني

المقال منشور في صحيفة «ذا غارديان» البريطانية

 

طباعة Email