الإعلام والإبداع

ت + ت - الحجم الطبيعي

في الإعلام هناك، دائماً، أخبار تتناول السياسة وأخرى تواكب الاقتصاد، وثالثة تتابع الرياضة، ورابعة تغطي شؤون الثقافة والفنون، وغيرها تهتم بمستجدات العلم والتكنولوجيا. وهذه كلها، من دون استثناء، مجالات حيوية، تهم الإنسان، فهي بالتالي تستحق الاهتمام.

ولكن السؤال هنا، هو: هل هناك توازن في الاهتمام الإعلامي بكل هذه المجالات؟

من المؤكد إن الاهتمام الإعلامي يتوجه بالدرجة الأولى نحو السياسة، بينما تستقطب الرياضة قطاعاً واسعاً من المهتمين؛ وبالتالي، فإن هذين المجالين لا يحتاجان إلى ترويج ودعم خاصين من الإعلام. هما، بحد ذاتهما، مجالين جاذبين. غير إن المجالات الأخرى، وعلى وجه التحديد، الثقافة والفنون والعلوم تحتاج من غير بد إلى رعاية واهتمام.

بل من المهم في مكان أن يلقيا مثل هذه الرعاية في مثل هذا الزمن الذي تحولت فيه هذه المجالات إلى جزء من الاقتصاد الحديث، وباتا يشكلان جوهر اقتصاد المعرفة، وهو الاتجاه الغالب اليوم.

إذ، الاهتمام الإعلامي بالثقافة والفنون والعلوم ليس مطلوباً فقط من باب تشجيع المبدعين والعاملين في هذه المجالات فقط، بل لأنهما باتا ركيزة أساسية من ركائز المستقبل، وإعداد الإنسان الجديد القادر على مواكبة مستجدات العصر.

ومن اللافت إن مثل هذا القصور لا يقتصر على أنماط الإعلام التقليدي، بل وسرى على سلوك الإعلام الجديد بدرجة أكبر، وأكثر فداحة.

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن مثل هذا الدعم المقترح لا يتطلب استثماراً جديداً، فما هو موجود من استثمارات في عالم الإعلام كافٍ، وكل ما يلزم هو إعادة توجيهه بطريقة متوازنة؛ وللتدليل على ذلك، يمكن الإشارة إلى أن حجم الإنفاق العالمي على قطاع الإعلام بمختلف فئاته بلغ حسب تقرير صادر عن شركة «ماكنزي آند كومباني»، نحو 1.77 تريليون دولار خلال العام 2016.

ويمكن أن تظهر مدى ضخامة هذا الرقم إذا ما تم وضعه إلى جانب حجم الإنفاق العسكري عالمياً، والمقدر بنحو 1.67 ‏تريليون دولار، بحسب إحصاءات معهد استكهولم الدولي لأبحاث السلام لعام 2015.

وبالطبع، الأرقام تغيرت منذ ذلك الحين، حيث تجاوز الحجم الإجمالي للإنفاق العسكري لدول العالم 2 تريليون دولار في 2021، وهو ما يعد أكبر إنفاق في التاريخ. ولكن تغير هذه الأرقام بالنسبة لحجم الإنفاق العسكري يقابله بالتأكيد ارتفاع بحجم الإنفاق العالمي على قطاع الإعلام.

وفي جانب آخر مهم، يأتي الاهتمام الإعلامي بالثقافة والفنون والعلوم، باعتباره شرطاً أساسياً في ربط المجتمعات بالسياق الحضاري، وجعل منجزات الحضارة أساساً للفعل والممارسة الإنسانية. وتجاهل ذلك، يفتح المجال أمام التقوقع على الذات والاستسلام للأفكار المنغلقة، القادمة من عقول وأزمان مظلمة، لا تنتج سوى فكر ظلامي.

في الواقع، إن غياب الاهتمام المتوازن بالثقافة والفنون، على وجه التحديد، يعكس واقع هذا القطاع نفسه عالمياً، وأوضاع العاملين فيه.

والمفارقة هنا، أن الجائحة، التي أثبتت الأهمية التي يمثلها القطاع الثقافي والإبداعي بالنسبة للمجتمعات، هي نفسها لعبت دوراً في الحد من قدرة هذا القطاع على تحقيق النمو الاقتصادي، حيث يكشف تقرير لليونسكو يحمل عنوان «إعادة صياغة السياسات المتعلقة بالإبداع»، أن المساعدات المخصصة للثقافة والترفيه آخذة في التراجع، برغم استمرار ازدياد تدفق السلع والخدمات الثقافية عالمياً.

كما تشير تقديرات اليونيسكو إلى فقدان 10 ملايين فرصة عمل في الصناعات الإبداعية خلال عام 2020 لوحده. إلى جانب أن العاملين في هذا القطاع غير محميين بشبكة الضمان الاجتماعي، ما يكشف عن مدى هشاشة أوضاعهم المعيشية والمهنية.

أما المفارقة الأساسية الأخرى، فهي ما تحدث عنه مساعد المديرة العامة لليونيسكو للثقافة، إرنستو أوتوني، الذي لاحظ أنه بينما يزداد انتفاع الناس على الصعيد العالمي بالمحتوى الثقافي واعتمادهم عليه، يجد من ينتجون الفنون والثقافة أن ظروف عملهم تزداد صعوبة.

* كاتب أردني

 

طباعة Email