دبلوماسية المصالح العربية

ت + ت - الحجم الطبيعي

منذ قمة «العلا» بالمملكة العربية السعودية 5 يناير 2021، جرت في النهر السياسي للعرب مياه كثيرة، انفتاح ومسارات عربية - عربية اتخذت منهجاً واستراتيجية يتناسبان مع التحديات الإقليمية والدولية، وبات التفكير في التلاحم والتماسك العربي أمراً مهماً، في ظل المتغيرات العالمية المتلاحقة، فلا شك أن الحراك العربي خلال الفترات الماضية اتسم بتقارب الرؤى، وتعميق المساحات المشتركة.

قمة الدوحة يوم الأربعاء الماضي أتت في هذا السياق الإيجابي للمسارات المستقبلية، نحو صياغة معادلة عربية جديدة، تستجيب للتحديات الراهنة والطارئة.

ربما يتساءل البعض عن رسائل هذه القمة، التي جمعت الرئيس عبدالفتاح السيسي، والشيخ تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني، أمير دولة قطر.

في تقديري أن رسائل هذه القمة أعمق بكثير من الكلام التقليدي عن أية علاقة ثنائية بين دولتين، فالقاهرة - في رأيي - لها فلسفتها الخاصة في التقارب العربي - العربي، والرئيس عبدالفتاح السيسي ينظر إلى السياسة على أساس استراتيجية وطنية وعربية، وبالتالي فإن الرؤية المصرية تنظر إلى كل دولة باعتبارها جزءاً من كل، والكل هنا هو المنطقة العربية، التي يجب أن يسود فيها نموذج الدبلوماسيات التي تخدم المصالح العربية العليا، ومصر لديها ثوابت في السياسة الخارجية، لا تحيد عنها مهما كانت الأحداث، على سبيل المثال، نجد أن مصر تضع دائماً المصلحة الوطنية العليا، سواء المصرية أم العربية في المقام الأول، وهذا التلاحم العربي والاستراتيجي من شأنهما خدمة المنطقة العربية خارج حدودها، سواء الدائرة القريبة أم البعيدة، هنا تأتي زيارة الرئيس السيسي إلى قطر في هذا السياق الذي يستمر ويتواصل مع كل الأشقاء العرب.

وسط هذه الأجواء التي تؤكد مفهوم الحرص على الاستقرار والسلام قدمت مصر نموذجاً في الدبلوماسية العربية، التي تنظر إلى المصلحة الوطنية العليا بمفهومها الشامل.

وهنا علينا أن نتوقف قليلاً لنؤكد أن الاستراتيجية المصرية نجحت في إعادة الخيوط من جديد بين المراكز العربية الحيوية، من أجل استعادة اللحمة والقوة بعد الأحداث التي شهدتها المنطقة خلال عقد مضى، وليس خافياً على أحد أن هذه الأحداث خسر منها الجميع، ولا تزال تداعياتها تلقي بظلال سيئة على المنطقة.

نحن الآن أمام بوادر نظام عالمي جديد، لا بد أن يكون فيه العرب رقماً مهماً، فمثلما فعل الرئيس السيسي، في فلسفة بناء البيت المصري من الداخل، كدولة وطنية ذات مؤسسات قوية وبنية أساسية ضخمة، نجده يحرص كل الحرص على تطبيق هذه الفلسفة بالتعاون والتشاور والتنسيق مع الأشقاء العرب من أجل تأكيد إعادة بناء البيت العربي، بما يليق بتاريخ وأهمية المنطقة في قلب العالم الحديث، سيما أن هذه التفاعلات تتواكب مع متغيرات عالمية متلاحقة، وحروب سياسية وعسكرية واقتصادية تتطلب منا نحن العرب الوقوف كقوة متماسكة لحماية المصالح العربية العليا للجميع، وبالتالي علينا أن نكون جاهزين ومستعدين لأية تحديات مستجدة.

وبالطبع، فإن مصر مع الأشقاء العرب تشكل القلب الصلب للشرق الأوسط، ومن ثم هناك ضرورة عربية لوضع كل الشعوب العربية أمام حقيقة المصالح والأهداف الحيوية المتعلقة بالاستقرار والسلام، وحماية الدول الوطنية في أي مكان في الإقليم.

إذن نستطيع قراءة ما بين سطور قمة الدوحة في الاتجاه الذي يؤكد الموقف المصري بما يجب أن تكون عليه الدبلوماسية العربية من أجل ثبات وصيانة الخرائط، والشعوب والأمن القومي العربي. وعليه، فاللحظة مواكبة لتحويل الأزمات الدولية الحالية إلى فرص، لا سيما أن العرب لديهم مميزات وأوراق حان وقت استثمارها والبناء عليها.

طباعة Email