الثقافة الرقمية ارتقاء وانتقاء

ت + ت - الحجم الطبيعي

مع ظهور العالم الرقمي، وامتداده إلى شتى مناحي الحياة، وتوفر أدواته لدى الصغير والكبير، أصبح تعزيز الثقافة الرقمية الإيجابية في المجتمعات، ضرورة عصرية، وخاصة في ظل التحديات الكثيرة التي يعج بها هذا العالم الافتراضي، وفي ظل ما حققه هذا العالم كذلك من تطور نوعي، ونهضة متنامية، وخدمة كبيرة للبشرية في المجالات كافة، حتى أصبح سمة بارزة من سمات هذا العصر الحديث.

وقد زاد من أهمية ذلك ظهور جائحة «كورونا»، التي اجتاحت العالم في مارس الماضي، والتي كان لها دور كبير في تعزيز التحول الرقمي، حيث كانت التقنيات الرقمية أدوات رئيسة في مكافحة الوباء ومحاصرته، وتحصين المجتمع منه، وكذلك في استمرار الأعمال والخدمات والتعليم والرعاية الصحية عن بعد وغيرها، وخاصة إبان فترة العزل والإغلاق.

وهو ما جعل الإنسان أكثر قرباً والتصاقاً وتفاعلاً مع التقنيات الرقمية، بما في ذلك الأطفال، فبعد أن كان غالب استخدامهم لهذه التقنيات، يدور حول الجوانب الترفيهية والألعاب وبعض التطبيقات، إذا بهم يتعاملون معها كجزء أساسي من حياتهم اليومية، وذلك عبر التعليم عن بعد، والذي تعرفوا من خلاله إلى وجه آخر لهذه التقنيات، والتي تمثلت في المنصات التعليمية، وبرامج الاجتماعات الافتراضية، والتعامل مع المستندات والعروض التقديمية والمونتاج والتصميم، واستعمال محركات البحث وغيرها، ولا شك أن هذه المكتسبات، عززت الثقافة الرقمية لدى هذا الجيل، وأكسبته مهارات مكثفة في هذا الباب، خلال الفترة الماضية.

كما أن للتقنيات الرقمية حضوراً جوهرياً في أروقة العمل والمؤسسات والشركات اليوم في مختلف أنحاء العالم، لما لها من دور كبير في تعزيز الإنتاجية، وتوفير الجهد والوقت والمال والارتقاء بمنظومة العمل، وتطوير المهارات وتنميتها، واكتساب الجديد منها، بل وأصبح حضورها اليوم لا ينفك عن واقع الحياة عموماً، على مستوى الأفراد، سواء في ما يتعلق بتقنيات الاتصال الصوتي أو المرئي، أو تطبيقات المراسلة، أو تطبيقات الخدمات الإلكترونية، أو المتاجر الإلكترونية وغيرها، حتى إن الكثيرين لا يتخيلون الحياة من دون وجود هذه الأجهزة الذكية.

وهذا المسار الذي فرضته التقنيات الرقمية في حياة الأفراد والمجتمعات، يتوازى في الوقت نفسه مع مسار آخر، جنباً إلى جنب، كما يقول الخبراء، وهو ما ينضوي عليه هذا العالم أيضاً من تهديدات ومخاطر سيبرانية، ومن سوء استخدام لها من قبل أفراد وجهات عديدة، تبث محتويات مشبوهة، وتنتهك القوانين، وترتكب الجرائم الإلكترونية في حق الآخرين، وتهدد أمن المجتمعات واستقرارها، وتمس منظومتها الاقتصادية أو الثقافية أو الفكرية أو غيرها.

ولا شك أن هذا الواقع كله بمساراته المختلفة، يستدعي تكريس الثقافة الرقمية الإيجابية، التي تجمع بين الارتقاء بالمهارات الرقمية، وتعزيز استثمار التقنيات الحديثة، في ما يعود على المجتمعات بالنهضة والرقي، وفي المقابل، التحلي بحسن الانتقاء والاختيار، والحذر من مصائد المحتالين، الذين يمارسون السطو الرقمي على أموال الناس أو ثقافاتهم أو أفكارهم، والتحلي بالانضباط والالتزام بالأنظمة والقوانين، والنظر إلى هذه التقنيات، كوسيلة لبلوغ الغايات والأهداف، وترشيد استخدامها كمّاً وكيفاً.

ولقد اعتنت دولة الإمارات، بتعزيز الثقافة الرقمية الإيجابية، وكانت سباقة إلى ذلك، وأطلقت العديد من المبادرات التي تخدم هذا الباب، منها، على سبيل المثال، وثيقة قيم وسلوكيات المواطنة الإيجابية في العالم الرقمي، والتي حثت على التحلي بالولاء للوطن، والالتزام بالقيم والعادات والتقاليد الأصيلة في العالم الرقمي، وتمثيل الوطن أفضل تمثيل، والدفاع عن مكتسبات وسمعة الدولة في العالم الرقمي، والتأكد من مصداقية المحتوى قبل نشره، والرجوع إلى المصادر الموثوقة، وغيرها من القيم المهمة التي لا غنى عنها، لضمان حسن استخدام التقنيات، وفق المعايير الأخلاقية الراقية، ومنها كذلك تحديد الأطر العامة التي تميز الشخصية الإماراتية على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وقد تضمنت كذلك الحث على التحلي بالأخلاق الرفيعة، والقيم السامية، كما عززت دولة الإمارات هذا الجانب، من خلال سن القوانين المتنوعة، مثل قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية، وقانون مكافحة التمييز والكراهية.

ويأتي هنا دور مختلف الجهات والمؤسسات، ابتداء من الأسرة في تكريس الثقافة الرقمية الإيجابية، التي تُمكِّن الفرد من الارتقاء بنفسه رقمياً، والتحلي بحسن الانتقاء، تجاه ما فيه من مواقع وتطبيقات ومحتويات وغيرها، بما يعود عليه وعلى مجتمعه ووطنه بالخير والازدهار.

طباعة Email