ثقافة العمل الإنسانية

ت + ت - الحجم الطبيعي

عندما نتحدث عن المجتمعات التي تهتم بالتفاصيل الصغيرة في قيمها الحياتية اليومية، مجتمعات تهتم بأماني أطفال يواجهون الموت بين لحظة وأخرى.

هنا تكون الإنسانية قالت كلمتها، وهنا تشعر بمزيج من الحزن والفخر، الحزن لحال الأطفال، وأما الفخر، فهو لسمو الإنسانية وتفوقها.

تداعت لذهني هذه الأفكار، وأنا أبحر في قراءة الكتاب الشهير: «شربة الدجاج للروح» من تأليف جاك كانفيلد، تحدث خلالها عن قصة أم تبلغ من العمر 26 ربيعاً، ولديها طفل يعاني من سرطان الدم، كانت تتمنى أن ترى ابنها يكبر ويحقق أمنياته، لكن ذلك المرض أغلق الطريق وهو في بداية مسيرته الحياتية، ذات يوم سألت هذه الأم طفلها قائلة: بوبسي، هل فكرت من قبل فيما ترغب أن تصبح عليه حين تكبر؟ هل حلمت من قبل وتمنيت أن تقوم بشيء في حياتك؟ أجابها: كنت أرغب دوماً في أن أصبح رجل إطفاء حينما أكبر، فقالت له: دعنا نرى إن كان في إمكاننا تحقيق أمنيتك هذه على أرض الواقع.

ذهبت الأم إلى مركز الإطفاء في مدينة فوينيكس بولاية أريزونا الأمريكية، وقابلت هناك شخصاً طيب القلب وشرحت له أمنية ابنها وطلبت منه إن كان بإمكانه أن يأخذه، في جولة بسيارة الإطفاء في الجوار، فأخبرها أن بإمكانه القيام بأكثر من ذلك، وطلب منها أن تجهزه حيث سيكون رجل إطفاء شرفي طوال اليوم، وأن يتوجه معهم لتناول الطعام، ثم يخرج في جميع بلاغات الحرائق، وطلب من الأم أن تعطيه مقاسات الطفل، حتى يقوم بتفصيل زي إطفاء وخوذة إطفاء حقيقية وليست مجرد دمى.

وبعد مضي 3 أيام مر رجل الإطفاء على الطفل بسيارة الإطفاء، وكان مرتدياً الزي واصطحبه إلى المركز، وكان هنالك 3 بلاغات في ذلك اليوم وخرج «بوبسي» فيها كلها وركب سيارات الإطفاء المختلفة، من عربة الإسعاف، إلى سيارة مدير خدمة الإطفاء، كما تم تصويره، وظهر في نشرة الأخبار أيضاً.

عاش «بوبسي» أكثر من المدة التي توقعها الأطباء بـ3 أشهر، بسبب تحقيق حلمه على أرض الواقع، ولكن القصة لم تنتهِ هنا، فذات ليلة حين تدهورت وظائفه الحيوية بشكل كبير، قامت رئيسة الممرضات بالاتصال على أفراد العائلة، وتذكرت الأم رجال الإطفاء فاتصلت على مدير نقطة الإطفاء وسألته إذا أمكن أن يرسل رجلاً يرتدي زي الإطفاء، ليكون مع «بوبسي» في لحظات احتضاره، فأجابها: يمكننا أن نفعل ما هو أكثر، وطلب منها أن تبلغ إدارة المستشفى عند سماع صوت الإسعافات، أن يعلنوا عبر السماعة المركزية، بأنه لا يوجد حريق، لكن رجال الإطفاء جاءوا لزيارة أحد أعظم رجال الإطفاء.

بعد 5 دقائق تقريباً، وصلت سيارة إطفاء إلى المستشفى، ووضعوا سلم على نافذة الغرفة التي يوجد فيها «بوبسي» وصعد السلم 14 رجلاً وسيدتان من العاملين بنقطة الإطفاء، ودخلوا إلى غرفة «بوبسي»، قاموا بمعانقته وأخبروه بمدى حبهم له، ومع لحظات احتضاره نظر «بوبسي» إلى مدير محطة الإطفاء وسأله: سيادة المدير، هل أنا رجل إطفاء الآن؟ فقال المدير: أجل يا بوبسي أنت كذلك، وبسماع تلك الكلمات ابتسم بوبسي وبعد لحظات قليلة أغمض عينيه وانتهى حلمه. 

الذي نحتاجه في عالمنا العربي، أن نعزز مثل هذه الثقافة الإنسانية، التي لا تتطلب أي جهد مالي أو استنزاف بشري أو ميزانيات، نحتاج لثقافة العفوية في العمل الإنساني، كم نحتاج لمثل هذه الأعمال والأفعال الصغيرة ذات الفعل الكبير والأثر العظيم.

طباعة Email