محطة تعاطف

ت + ت - الحجم الطبيعي

نقل رحيل ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية العالم إلى أجواء مختلفة عما ساد فيه في الأشهر الثمانية الأخيرة؛ إذ انتقلنا فجأة من أجواء الاحتقان والتحدي والمواجهة، إلى ضروب التعاطف والتقدير الإنساني، في تبدل ملحوظ للأهواء والأمزجة، يستدعي التأمل.

وعلى نحو ما، يمكن أن نعزو هذا التعاطف، الذي وحد العالم المنقسم على نفسه، إلى الملكة الراحلة، والمكانة الرمزية التي كانت تحتلها في عالم السياسة. وبهذا قد يكون ما أحدثه رحيلها نوعاً من الدبلوماسية، التي تمارسها الأحداث على الواقع السياسي والدولي.

ولكن ذلك يبقى مشروطاً بأن يلتقط العالم هذه اللحظة المفعمة، التي ملأها بالتعاطف، فظهر قدر مماثل من التعاطف مع نفسه، فيتزحزح قليلاً عن مساحات التمترس، ويبتعد عن مسارات التأزيم، التي لا يمكن لها أن تقود إلى حل أي من القضايا المطروحة اليوم، بقوة أسلحة وأدوات متعددة الأنواع والأشكال.

وفي الواقع، لا أحد يتوقع أن تؤثر دبلوماسية في مجريات الأمور في هذا العالم، أو أن يتحول اجتماع العالم في مساحة التعاطف إثر رحيل الملكة إليزابيث الثانية إلى تحول في التعامل مع النزاعات الدولية، أو أن تتم ترجمته إلى تعاطف الإنسان مع نفسه. ولكن هذا التعاطف يحيلنا إلى فكرة أساسية: العالم مملوء بأسباب النزاعات، ولكنه فقير بأسباب التفاهم.

هل هذا حقيقي؟

يفترض أن أسباب التفاهم في المدنية، وبين أبناء الحضارة الإنسانية، أكثر بكثير من أسباب التنازع. كما يفترض أن البشرية أنتجت الكثير من الآليات والوسائل لتجنب الصدامات وحل النزاعات، وإطفاء بؤر التوتر، من خلال التفاهم ومراعاة المصالح على نحو متبادل. غير أن ما نراه اليوم هو الدفع المستميت بالنزاعات إلى التحول إلى صراعات دائمة ومستدامة، بينما الحلول تأخذ المنحى التعسفي، الذي لا يبلغ تمامه إلا بإلغاء الطرف الآخر، تماماً، ونهائياً.

وهذا بدوره، يجعل المرء يتساءل عن السياسة ودورها ومدى حضورها وتأثيرها في الواقع الدولي اليوم، فكل ما يظهر في المشهد منازلة لا تتوخى الظروف أو الأخذ بأسباب التفاهم وإمكان إنتاج الحلول التي تجنب البشرية الدمار، بل السير في اتجاهات مظلمة متطرفة. وهذا لا يشبه في شيء السياسة، التي قيل إنها «فن الممكن».

ومن المؤسف أن شعوب العالم عاشت سنوات قليلة ماضية وهم أن الدول العظمى مهتمة بالقضايا الإنسانية الكبيرة، مثل الفقر والجهل والمرض والمناخ والعدالة الاجتماعية والتنمية وغيرها؛ ولكن يتضح اليوم أن الهيمنة والرغبة في تأبيدها، هي الاهتمام الرئيس لدى هذه الدول.

والأسوأ أنها لا تقبل حتى مجرد تشارك هذا العالم مع بقية الإنسانية. هذا بالرغم من أن الغرب، بكامل تعداده السكاني، لا يبلغ ملياً من نحو سبعة مليارات نسمة يعيشون على هذا الكوكب، ويمتلكون الحق، كاملاً فيه، وبثرواته، وإمكاناته، كما أن لهم القدر نفسه من الحق في اتخاذ القرارات بشأن كل القضايا التي تطرأ وتمس حياتهم وعيشهم وخياراتهم.

من هنا، يأتي الصدق في التعاطف أو يغيب. ومن هنا، يكون الإنسان محباً للخير أو أنانياً، عدوانياً، لا يقبل التشارك مع أبناء جلدته الحق الموزع عليه وعليهم بالتساوي. وهنا، بالذات، هي مسؤولية الغرب اليوم. الغرب الذي روج سنوات وعقوداً طويلة لمثل وقيم بعينها، ونصب نفسه وصياً عليها، وعلى إنفاذها، وفرضها، وإذ به اليوم يتنكر لها، هو نفسه.

* كاتب أردني

 

طباعة Email