رسالة إلى صديقي

ت + ت - الحجم الطبيعي

صديقي العزيز: يسعدني أن أبعث لك رسالتي هذه، وأنا أرتع في بستان مودتك، وأستظل في ظل صداقتك، أكتبها لك بكلمات تفيض بودادك، وبروحٍ تنتفض شوقاً إلى لقائك، فالصداقة من أغلى الكنوز وأثمن الجواهر، ولقاء الصديق روح الحياة، وقد قال الحكماء: الصَّديق الصَّدوق، ثاني النفس وثالث العينين، وقيل: مَثَل الصديقين كاليد تستعين باليد، والعين تستعين بالعين.

صديقي الذي لست أنساه: أحاول أن أتخيَّر لك من الأفكار والمعاني أجملها، ومن الكلمات والعبارات أحسنها، فالكلام الأنيق من أقل حقوق الصديق، وهو من أفضل الهدايا التي يقدمها الصديق إلى صديقه، وأيسرها مؤونة، لا تحتاج إلى ثمن، ولا إلى جهد، وأبخل الناس من بخل بحسن الكلام، ولذلك قال الشاعر:

وأهونُ ما يُعطي الصديقُ صديقَهُ... من الهيّن الموجودِ حُسنُ خِطابِ

وكم في الكلمة الطيبة من تأثير إيجابي بين الأصدقاء، فبها يمسح الصديق دمعة صديقه المهموم، ويواسيه ويؤازره، ويساعده بحسن الرأي والمشورة، ويمده بخبراته وتجاربه، ولا يبخل عليه بشيء من ذلك، ويشجعه على بلوغ أهدافه، ويرشده إلى ما يتجاوز به العقبات، ويدله على ما فيه نفعه في دينه ودنياه، ولا يقف معه عند حد النصح والكلام فقط، بل يُتبع ذلك بالفعل، وكل ما يستطيع من وسائل الدعم، في حدود ما يقدر ويستطيع، ويحرص عليه كحرصه على نفسه أو أشد.

ومن حقك عليَّ كذلك أن أتعاهدك بالنصح والتنبيه، سرّاً بيني وبينك على انفراد، إن بدر منك ما يستدعي ذلك، على أن يكون ذلك كالملح في الطعام، في وقته المناسب، وبقدره المناسب، فإن كثرة اللوم والعتاب، سبب للقطيعة والنفور، كما أن ترك النصح بالكلية، دليل على قلة الاكتراث بأمر الصديق، وقد قيل: علة المعاداة قلة المبالاة، والعاقل من جمع بين النصح والمتاركة، هذا في وقته، وهذا وفي وقته، فكان معتدلاً في هذا الباب.

صديقي العزيز: أرجو منك أن تعذرني إن أخطأتُ في حقك، أو بَدَرَتْ مني هفوة تجاهك، فليس أحد منا معصوم، واعلم بأن تقصيري في حقك ليس ناتجاً عن تغيري في مودتك، ولا عن جحود مني لصداقتك، ولكنه نتيجة ما يعترض الإنسان من نقص بشري، فإن كل بني آدم خطَّاء، فأوجد لي العذر ما أمكنك، وحافظ على صداقتنا ما استطعت، وقد ذكر العلماء والحكماء، أن الإنسان إذا كان له صديق صدوق، عرف صفاء مودته، فبدر منه في وقت ما فتور في علاقته معه، فلا ينبغي أن يسارع إلى سوء الظن به، ما لم يستيقن تنكره، وقد قيل في منثور الحكم: لا يفسدنَّك الظنُّ على صديق قد أصلحك اليقينُ له، وضرب الماوردي لذلك مثلاً بعلاقة الإنسان مع نفسه، قال: «فإن الإنسان قد يتغير عن مراعاة نفسه التي هي أخص النفوس به، ولا يكون ذلك من عداوة لها ولا ملل منها»!

كما أذكَّرك ونفسي يا صديقي بخصلة العفو عن الهفوات، والصفح عن الزلات، فإنها من شيمة العقلاء الكرماء، وخاصة بين الأصدقاء، ومن طلب صديقاً بلا عيوب ولا أخطاء، فقد طلب المستحيل الذي لا سبيل له.

ومن حقك عليَّ أن أحترم رأيك، ولا أجعل من اختلاف الرأي بيننا في مسألة ما، سبباً للقطيعة والنفور، فإن نفس الإنسان التي هي أخص النفوس به، لا تستجيب له في كل ما يريد، فكيف بنفس غيره؟! قال بعض العلماء: حسبك أن يكون لك من أخيك أكثره.

صديقي العزيز: إنني أقدِّر صداقتك حق التقدير، وأتمسك بحبالها، وأتشبث بأذيالها، وقد قيل: أعجز الناس من فرَّط في طلب الأصدقاء، وأعجز منه، من ضيَّع من ظفر به منهم، وقال الشاعر:

لكل شيء عَدِمْتُهُ عوضٌ … وما لفقد الصديق من عوضِ

والصداقة، كما أفهمها، ليست مجرد صحبة عابرة، أو علاقة فاترة، وإلا كانت كصحبة السفينة، وهو مثل يُضرب في الصحبة التي لا صداقة معها، فإنَّ ركاب السفينة ربما تصاحبوا وهم على متنها، ثم لا يتصادقون بعدها، ويتفرق كلٌّ منهم إلى حال سبيله، وأما الصداقة، فهي علاقة عميقة ومحبة وثيقة.

أسأل الله تعالى أن يديم صداقتنا، ويحفظ مودتنا، ويعيننا على تقويتها وتعزيزها.

طباعة Email