محفوظ في ذكراه

ت + ت - الحجم الطبيعي

قالوا إنه زهد بالحياة، وقرر اعتزالها والاعتكاف بعيداً عن الناس؛ وانتقل ليعيش في مثواه (30 أغسطس 2006)؛ فلم أبحث عنه، ولا كنت أتوقع مقابلته، بينما رحت أتتبع أثره في سطوره، وفي أماكنه الأثيرة..

ولكنني قابلته، أو هكذا تهيأ لي!

كان يسير على رصيف شارع قاهري، لم استطع تمييزه، متوكئاً على عكازه، بخطوات بطيئة تتيح له أن يتأمل الجوار بين الفينة والأخرى، بينما حمل بيده اليسرى آخر رزمة من الصحف التي قرأها في حياته.

بدا لي أن حملها يعييه؛ فهرعت إليه أعرض عليه مساعدتي:

- دعني أحملها عنك، يا أستاذ!

فتوقف متثاقلاً، ورفع إليّ عيناً متسامحة ترى إلى طفل غرير، بينما ارتسم شبح ابتسامة لطيفة على وجهه، وقال فيما رفع يده التي تمسك العكاز إلى نظارتيه وعدل من وضعهما:

- أو تحسب أنك تستطيع!؟

- بالتأكيد. دعني أساعدك!

قال:

- لا. لا تستطيع.

ثم أضاف دون تأخير:

- إنها أثقل مما تقدر عليه النوايا الطيبة!

قلت:

- لدي إرادة حسنة!

فأخذه وجوم هادئ، ولبث صامتاً للحظة.

بدا لي أنه يراجع نفسه، ويستعيد صورة ما تعينه على التفكير وتساعده على تقدير الموقف، ثم لم تلبث يده أن ارتخت برزمة الصحف أمامي، وقال:

- لعلك محق!

التقطت الرزمة، ويا لدهشتي فقد كانت أثقل مما تصورت بكثير.

فوجئت بثقلها غير المتوقع، فتهاويت معها على الرصيف كريشة تعلقت بصخرة سقطت من علٍ. ثم هتفت مذهولاً، بينما كنت أهم بالنهوض، غير مصدق أنه كان يحمل رزمة الصحف رغم وهنه وشيخوخته:

- يا إلهي!

قال:

- لا تجزع.

- إنها جد ثقيلة!

قال بنبرة محايدة خلت من أي تعاطف:

- قلت لك ولم تصدق.

- افترضت أنني أقوى منك على حملها!

فارتد برأسه إلى الوراء، متسائلاً:

- لِـمَ..؟

- لأن المنطق يقول هذا. أنا أكثر شباباً وأصلب عوداً!

ومرت عبارتي على سمعي كنسمة هواء من بلاد أعرفها ويتحرك لها وجداني. وتهيأ لي، لوهلة، أنني استعرتها من إحدى شخصياته. أعني شخصيات كتبه.

وكان يتأملني شارد الذهن. ولم يطل به ذلك، إذ قال بنبرة من ينتقل إلى حديث آخر، بينما كان يدق بعكازه على رزمة الصحف الملقاة على الرصيف:

- لم تسألني لِـمَ هي ثقيلة هكذا، وما حاجتي بها..؟

- أود أن تخبرني.

قال:

- ذلك لأن ثمة كثيراً من الأحداث غير المنطقية فيها، وأبحث عمن يستطيع إعادة كتابتها على نحو منطقي وجيد!

قلت بأسف، مستذكراً في فشلي بحمل رزمة الصحف:

- من الواضح أنني لا أصلح لهذه المهمة!

- لا تجزع.

قلت:

- ولكن هذا مؤسف. لن أكون مثلك، وسينساني الناس.

- أظن الناس لا ينسوني، ولكنهم أيضاً لا يتذكروني!

قلت:

- أي عزاء في هذا..؟

- سيذكرك الناس، وينسونك.

وانحنى بذات البطء الذي يتحرك به، والتقط رزمة الصحف، فيما تابعته يرفعها دون مشقة، وإذ لاحظ الذهول على وجهي، قال:

- لا تجزع.

قلت:

- بل أعجب مما أرى.

قال:

- الحياة تثقل أهلها بأعباء تعجزهم عن حمل سواها!

وهمّ بمواصلة المشي، فعاجلت أسأل:

- إلى أين تذهب..؟

قال:

- ألا تعرف..؟

- لا أعرف ماذا..؟

قال:

- لقد زهدت بالحياة، وقررت اعتزالها، فانتقلت لأعيش في مثواي.

- فاسمح لي أن أزورك بين وقت وآخر..

قال:

- لا تزرني إن لم تنو البقاء معي..!

وانتهى اللقاء، عند هذا الحد، وانقطع الحديث.

ليس لأنني أفقت من النوم، فجأة، وأدركت أنني كنت أحلم. لا. لم يحدث هذا، بل انتهى اللقاء، وانقطع الحديث لأنني ببساطة قررت أن أتوقف عن التفكير به، وأن أنسى أمره نهائياً.

ولهذا، بالذات، أحرص بين وقت وآخر أن أتذكر أنني نسيته تماماً!

 

طباعة Email