قَدْرُ العراق

ت + ت - الحجم الطبيعي

يبدو أن الطبيب الذي أجرى الجراحة لبغداد عام 2003، قصد عمداً أن يترك أعراضاً ومضاعفات، لم يشف منها العراق إلى الآن، فما إن تفيق بلاد الرافدين من أزمة، سرعان ما نجدها تدخل نوبات سياسية عنيفة، تفقدها اليقين، وتصيبها بالانسداد السياسي.

إنه قدر بحجم العراق، التاريخ والجغرافيا.

كيف لدولة، تنتج نحو 4.5 ملايين برميل بترول يومياً، أن تدخل أطرافها السياسية في دوامة، وحرب أهلية، تعرف جيداً، أنها ستقود إلى مزيد من الإرباك، وإغلاق آبار النفط في محافظات الجنوب، ومن ثم يصبح التأثير سلبياً ومباشراً على الشعب العراقي؟

الأحداث التي عاشتها بغداد الأيام الأخيرة أربكت حسابات مستقبل العراق، وهو بلد يشكل رقماً مهماً في معادلات المنطقة والإقليم، فالعراق هو المفتاح الشرقي للعرب، والعضو المؤسس بجامعة الدول العربية، والشريك التاريخي في بناء هذه الأمة، كما أن لديه بصماته البارزة ضمن دول عدم الانحياز.

أصداء الاشتباكات الصادمة في قلب المنطقة الخضراء ببغداد، أكدت أهمية العراق في محيطه العربي، فقد تسارعت الدعوات العربية من القادة والزعماء، مطالبة جميع الأطراف، والقوى العراقية، بضبط النفس، والابتعاد عن العنف، ووقف الاقتتال، والحفاظ على مقدرات الشعب الذي لاحقته الخسائر الاقتصادية والسياسية والأمنية منذ الغزو الأمريكي عام 2003.

أعين العالم تتجه صوب العراق. الجغرافيا تستدعي التاريخ، حسابات التعامل مع بغداد لها وجهة نظر خفية لدى المتصارعين عليها، لا أعرف لماذا تذكرت، أثناء كتابة هذه السطور، كلاً من مايكل اوترمان وريتشارد هيل وبول ويلسون، وكتابهم الشهير «محو العراق».

لكن لن ينطفئ العراق، وستظل بغداد مضيئة بتاريخها، وحضارتها، وأعماقها الوطنية. الرسالة العربية قاطعة، فمن غير المسموح استمرار نزيف التدهور في العراق.

حكمة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، منذ أن تولى المهمة، وإلى الآن كان لها أثر كبير، في تحرك العراق نحو آفاق الاستقرار، بل إن انفتاح الكاظمي على محيطه العربي قاد إلى عودة بغداد لشراكة كبيرة، ومهمة، مع المنطقة والإقليم، ولا يزال الكاظمي يواصل دوره الوطني من أجل الحفاظ على العراق الدولة، وليس العراق الساحة، واتضح ذلك جلياً، عندما فتح تحقيقاً عاجلاً بشأن الأحداث في المنطقة الخضراء، ووجه بمنع استخدام الرصاص، وإطلاق النار على المتظاهرين من أي طرف أمنى، أو عسكري، أو مسلح منعاً باتاً، وشدد على التزام الوزارات، والهيئات، والأجهزة الأمنية والعسكرية بالعمل، وفق السياقات والصلاحيات والضوابط الممنوحة لها، ولم يتردد لحظة واحدة في الدفع بكل ما يضمن حقن الدماء العراقية قائلاً: «قواتنا الأمنية مسؤولة عن حماية المتظاهرين، وإن أي مخالفة للتعليمات الأمنية، بهذا الصدد، ستكون أمام المساءلة القانونية»، مقرراً فتح تحقيق عاجل، ومعرفة مصادر إطلاق النار، وتحديد المقصرين، ومحاسبتهم وفق القانون.

اللافت هنا، أن الموقف الوطني الحاسم لرئيس الوزراء العراقي، صادف توافقاً واسعاً مع المواقف العربية، وأيضاً مع الدعوات الدولية التي طالبت بأهمية اتخاذ الخطوات الفورية لتهدئة الوضع.

الأحداث تتخذ طابعاً من العناد والتعقيد بين المكونات المتصارعة، بشكل يتسق مع المصالح والمكاسب الخاصة، دون نظرة عامة لمصلحة الدولة.

ورغم صعوبة حلحلة الأزمة هذه المرة، لكن، ثمة ضوءاً يلوح في الأفق، يشير على قدرة العراق في استعادة تماسكه.

أول ملامح هذا الضوء تكمن في التهدئة السريعة، ووقف هذا النوع من الاشتباكات التي تثير المخاوف، وتزيد من حالة عدم اليقين.

الأمر الثاني أن ردود أفعال ومواقف الدول العربية جاءت قوية، وتصب في خانة حماية العراق من الدخول في دائرة مفرغة، يصعب الخروج منها بشكل آمن.

الأمر الثالث الذي يصب في صالح العراق يتمثل في أن القوى الدولية لديها مشكلاتها الخاصة التي تمثل لها أولوية عن العراق، فالعالم مشغول بنتائج وتداعيات جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، والتربص الأمريكي الصيني، وبالتالي، فإن انشغال هذه القوى بتلك الملفات، ربما يبعدها عن الانخراط المباشر في هذه الأزمة.

الأمر الرابع هو أن الشعب العراقي تعلم الدرس جيداً خلال العقدين الأخيرين، وليس لديه رفاهية تدوير الخراب والفوضى، فضلاً عن أن الدول العربية، ليس من مصلحتها أن تندلع حرب أهلية شاملة في العراق، سيما أن الأمن القومي العراقي هو جزء أصيل من الأمن القومي العربي.

إذاً، لابد من البناء على هذه الشواهد للخروج بالعراق من هذا النفق المظلم، وأنه بات على جميع الأطراف والمكونات العراقية أن تسمو فوق المصالح الضيقة من أجل مصلحة كبرى اسمها العراق وشعبه، وأن اللحظة تتطلب من الجميع تضافر الجهود وضبط النفس، والانتباه لما يحاك للعراق، فإذا كانت الاشتباكات قد انتهت فالأزمة ذاتها لم تنته بعد.

 

* رئيس تحرير مجلة «الأهرام العربي»

طباعة Email