أعتقد أن المرض النفسي يعاني من ضبابية وعتمة لدى البعض، ورغم تطور تقنيات الاتصالات والسرعة في نقل المعلومات وتبادلها من خلال التطبيقات المختلفة، وهو ما يعني أن هناك معلومات بطريقة أو أخرى عن المرض النفسي تتسرب وتصل للناس، وهذا يعني أن هناك انفتاحاً بطريقة أو أخرى أو اتساعاً للفهم حول هذه الأمراض، لكن الذي يحدث أنك لو حدثت أحدهم وقلت له: إنك تعاني من مرض نفسي، اذهب للعلاج، لاعتبرها وقاحة وكأنك تشتمه، وقد يقدم شكوى تصل للمحكمة، أما إن كنت مديراً أو رئيس قسم في مقر العمل، وقلتها لأحد موظفيك فلا تستبعد أن يلجأ للشكوى لمن هو أعلى منك، وعندما تجلس لسماع فحوى هذه الشكوى المقدمة ضدك لا تستغرب أو تصاب بالدهشة عندما يقال إنك وصمته بالجنون. المرض النفسي وعلاجاته وعوارضه لا يوجد لها غطاء اجتماعي، ولا يوجد لها مظلة لدى الناس والمجتمع، فقد يكون من السهل أن تصف أحدهم بأنه مصاب بمرض جسدي عضال وخطير خيراً له من أن تقول إنه يعاني من مرض نفسي خفيف.
كما أن هناك القلق الوظيفي، والذي يقصد به القلق المرضي، الذي يحدث بسبب بيئة العمل والوظيفة، وهذا المجال قام علماء الطب النفسي بالكثير جداً من الدراسات والبحوث، التي تستهدف رصد الأمراض، التي تحدث بسبب الوظيفة وبيئة العمل، حيث ستجد موظفاً في حالة من الخوف، بسبب خشيته أن يتم إنهاء عقد عمله، وهناك من يعاني من قلق التفوق، حيث تجده دائم الملاحظة لزملائه، ومن الذي يعمل أفضل، وهذا النوع رغم أنه أول من يحضر وآخر من يغادر، لا يتحرك ولا ينجز إلا عندما يشعر بأن هناك تهديداً بأن يأتي أحدهم، ويأخذ مهامه الوظيفية، وهناك فئات وأصناف وظيفية أخرى، عندما تمعن الملاحظة فيها ستكتشف أنها تعاني من مرض نفسي، بسبب هذه الوظيفة. هنا قد يتم السؤال أين المدير أو قائد مقر العمل، ومن يقف على رأس الهرم من مثل هذه الحالات؟ وقد يدهشكم أن البعض من المديرين هم من يعزز مثل هذه المخاوف أو يشعلها، والسبب أنه يحصل على انضباط وإنجاز، ومن دون شك فإن مثل هذه الإدارة تقليدية، وهي بعيدة تماماً عن مفاهيم سعادة الموظفين والإدارة بالثقة، يبقى على كل موظف التنبه من الأمراض النفسية، والتي لا تقل خطورة عن المرض الجسدي.
بقي القول: إن المرض النفسي يشبه تماماً الأمراض الجسدية، فمنها ما هو مرض خفيف، وهناك ما هو خطير، والمطلوب أن يتم تطوير فهم الناس وتنمية معارفهم، وهذا دور جهات عدة، منها الحكومية، ومنها القطاع الخاص والمؤسسات ذات الصلة، ولكن على دارسي العلوم النفسية العبء الأكبر، مع دعواتي أن نكون في سلامة وصحة نفسية وجسدية.