ثمّة شبه إجماع بين المراقبين والمحللين السياسيين البريطانيين، وأيضاً المواطنين العاديين أن الــ 12 عاماً الأخيرة كانت الأكثر اضطراباً في تاريخ بريطانيا المُعاصر.

فلقد شهدت هذه السنوات تغييرات سياسية هائلة على الساحة في بريطانيا، كما أثيرت خلال العديد من القضايا الحيوية، مثل التغير المناخي، ارتفاع كُلفة المعيشة على البريطانيين، قُدرة الحكومة البريطانية على حماية رعاياها، قدرة النظام الرأسمالي على نشر الرخاء بين المواطنين، استمرارية المملكة المتحدة، العلاقة بينها وبين كلٍ من الاتحاد الأوروبي وروسيا، وغيرها.

وإذا عُدُنا بالذاكرة إلى ما قبل بداية هذه الــ 12 عاماً بصفة مباشرة، أي إلى العام 2010، وهو العام الذي ذهبت فيه السلطة في بريطانيا إلى الائتلاف الحكومي بين حزبي «المحافظين» و«الديمقراطيين الأحرار»، كانت هذه التغيرات التي طرأت فيما بعد غير قابلة للتصور على الإطلاق آنذاك، إلى القدر الذي يجعل بريطانيا الآن بلداً مختلفاً تماماً عمّا كان عليه في 2010.

وخلال هذه الفترة، حاول بعض الساسة البريطانيين التكيف مع هذه التغيرات، فعلى سبيل المثال، أوغل أعضاء حزب «العُمّال» في توجهاتهم اليسارية، ثم ارتدُّوا مُجدّداً صوب الوسط. وتوجه «الديمقراطيون الأحرار» أقصى اليمين ودعموا «المحافظين» في خطط التقشف، ثم سُرعان ما باتوا أكثر عداءً «للمحافظين».

وبات «الحزب الوطني الأسكتلندي» أكثر عزماً على المُضي قُدُماً في سعيه إلى استقلال أسكتلندا. وفي غضون ذلك، فإن بعض «المحافظين» مثل بوريس جونسون، رئيس الوزراء الحالي المُستقيل، والذي أوشك على مُغادرة «داونينغ ستريت»، وسلفته تيريزا ماي، قد تحدثوا على الأقل عن حُكم بريطانيا بوسائل جديدة، وذلك من خلال الانتقال إلى المستوى الأعلى، أو حتى المُساعدة في الإدارة، على أدنى تقدير.

ولكن على الرغم من ذلك، فإن مجموعة من السياسيين، الذين صاروا على نحو تدريجي أكثر نفوذاً ويوشكون على أن يكونوا الحُكّام الجُدد للبريطانية، بحسب الذي سيفوز بانتخابات «المحافظين» لخلافة بوريس جونسون في منصبه، لم يغيروا في أنماط تفكيرهم على الإطلاق، برغم حدّة وضخامة التغيرات التي طرأت على الساحة السياسية البريطانية على مدى الــ 12 عاماً الأخيرة.

وعليه، فلربما نواجه في بريطانيا أسوأ أزمة سياسية في وقت السلم منذ حقبة الثلاثينيات من القرن الماضي، وذلك تحت قيادة الحكومة الجديدة، التي يبدو أنها تتبنى نظرة سياسية للعالم باتت قديمة، بل مُندثرة، على نحو كارثي.

في عام 2011، صاغ خمسة نُوّاب برلمانيين عن حزب «المحافظين» هذه النظرة المُندثرة للعالم في كتاب بات الآن منسياً إلى حدٍ بعيد، وهو كتاب «بعد الائتلاف: أجندة مُحافظة لبريطانيا».

وكان من ضمن هؤلاء النُّوُّاب الخمسة ليز تراس، وزيرة الخارجية البريطانية الحالية، وإحدى الخصمين المتنافسين على خلافة جونسون، في انتخابات حزب «المحافظين» المُقرّر إجراؤها في الخامس من الشهر المُقبل. وسيكون خصمها هو ريشي سوناك، وزير المالية السابق.

وأورد النُّوُّاب الخمسة أبرز عناصر هذه الأجندة في مقدمة كتابهم، ومنها أن ازدهار بريطانيا يكمن في قيم السوق الحرة، وجوب خفض الضرائب، إنهاء ثقافة المُساعدات، وأن بريطانيا يجب أن تسعى إلى استعادة سيطرتها مُجدداً من الاتحاد الأوروبي وأن تتفاوض بشأن صفقاتها التجارية الخاصة بعيداً عن الاتحاد.

وتبدو بعض السمات واضحة في هذه العناصر كالتفاؤل المُفرط والعمومية الشديدة للحلول المطروحة، إلا أن السمة الأكثر وضوحاً هي تأثرها الشديد بالأيديولوجية المعروفة باسم «التاتشرية»، نسبة إلى مرجريت تاتشر، رئيسة الوزراء البريطانية الراحلة الشهيرة، والمعروفة باسم «المرأة الحديدية»، كونها هي صاحبة هذه الأيديولوجية.

وإذا كانت تراس معروفة منذ بداية دخولها المعترك السياسي بتقليدها لتاتشر في نمط ملابسها وفي هيئة وقوفها أمام الكاميرات، فإن سوناك قد صرح الشهر الماضي في مقابلة مع صحيفة «تليغراف» قائلاً: «قيمي السياسية تاتشرية».

عاشت تاتشر ذروة أمجادها منذ ما يزيد على ربع قرن، وخلال هذه الفترة شهدت بريطانيا والعالم العديد من الأحداث التي جعلت من «التاتشرية» أيديولوجية مُندثرة، ومنها على سبيل المثال الأزمة المالية العالمية التي اندلعت في عام 2008.

وإذا كان تراس وسوناك، وغيرهما من قادة «المحافظين» الجُدُد لا يُدركون أن قيم الرأسمالية المُفرطة التي تُعد من أبرز أركان «التاتشرية» باتت من الصعوبة بمكان أن تظل مُطبّقة في بريطانيا في ظل المتغيرات الراهنة، فهذا لا يعني سوى أن هؤلاء القادة المُنتظرين لبريطانيا يعتبرون الأفكار الجديدة ترفاً، ولا يزالون متمسكين بأفكار وأيديولوجيات لم تتعدَ بأي حال من الأحول مُلائمة للوقت الراهن. لقد اندثرت «التاتشرية» على أرض الواقع، إلا أن تراس وسوناك وزملاءهما في الصفوف الأمامية للحزب ليس لديهم فيما يبدو أي أفكار سُواها.

مقال منشور في صحيفة «ذي غارديان» البريطانية -  ترجمه بتصرف: سيد صالح