يوليو في السبعين

ت + ت - الحجم الطبيعي

جدل واسع يجري همساً في منتديات ولقاءات تعقد في الساحة السياسية المصرية تسكنه هواجس تنطوي على السؤال التالي: هل يمهد شعار «الجمهورية الجديدة» الذي تسوقه الجهات الرسمية، لإعلان قطيعة مع ثورة يوليو، التي بلغت السبعين من عمرها؟. سؤال وجهه لي أحد المشاركين في ندوة لمنتدى ثقافي، أقامها احتفالاً بالعيد السبعين لثورة 23 يوليو.

ورغم أن السائل ألقى بسؤاله بشكل غير استفهامي، بل بطريقة تقريرية، تؤكد أن ذلك هو ما سوف يحدث بالفعل، دون انتظار إجابتي، فقد خيم السؤال على المنتدى وفرض نفسه على النقاش، وحوله من احتفالية بالعيد السبعين لثورة يوليو، إلى مساءلة لخصم مجهول، يسعى في نظر السائلين، للتنصل من الانتماء إليها.

أدهشني أن تكون مثل تلك الشكوك منتشرة بهذا الحجم، رغم أنها ليست مبنية على حقائق أومعلومات. وقد أثار ذلك بدوره هواجسي، خشية من أن يكون السؤال، مجرد جزء من ألاعيب لم تتوقف، للهجوم على ثورة يونيو وصناعها، منذ إسقاطها حكم جماعة الإخوان.

ووسيلة من وسائل باتت محفوظة لنشر الشائعات والترويج لها.. إذ الواقع أن السؤال يصطنع معركة وهمية،بين الثورتين، تتجاهل أن من يقود خطوات بناء «الجمهورية الجديدة» هو الرئيس السيسي ابن المؤسسة العسكرية التي رشحته لخوض انتخابات الرئاسة، بعد سقوط حكم الإخوان الذي أكسب نظام يونيو شرعيته. فضلاً عن كونها المؤسسة التي نجح أن يشكل داخلها جمال عبد الناصر عام 1949، الخلية الأولى لتنظيم الضباط الأحرار ليخطط لثورة يوليو ويقودها.

غيرت ثورة يوليو مسار التاريخ المصري في النصف الثاني من القرن العشرين، وتجاوز تأثيرها الإيجابي مصر إلى العالم العربي، وامتد إلى ما كان يعرف بدول العالم الثالث.

وأخذت الدول العربية المستعمرة في الحصول على استقلالها بمعاونة دولة عبدالناصر ومساعدتها،لأن مصر وأمنها القومي، وفقاً لمبادئ يوليو، جزء لا يتجزأ من أمن الأمة العربية، وهو أمر يؤكده ليل نهار الرئيس السيسي. كما غيرت ثورة يوليو من موازين القوى في العالم،حين أثبتت أن الدول الصغيرة تستطيع بالإرادة والصمود والتوحد ووضوح الهدف أن تنهض وتتقدم، وأن يسمع صوتها في أنحاء العالم.

وما رفض معظم دول المنطقة الدخول في أحلاف أجنبية، لا هدف لها سوى استنزاف ثروات الشعوب وقطع الطريق أمام تقدمها، سوى نموذج لتأثيرات يوليو الإيجابية في الدول العربية. ولم تكن حركة التأميم التي امتدت لتشمل ثروات النفط العربية، وهى ترفع شعارات نفط العرب للعرب، إلا صدى لمعركة تأميم شركة قناة السويس العالمية.

أرست ثورة يوليو عدداً من المبادئ بينها،أن تحقيق الحد الأدنى من قواعد العدالة الاجتماعية التي تحفظ للشعوب حياة كريمة، هي المدخل الرئيسي لصيانة أمن النظم السياسية.

وأن كل المواطنين أمام سلطة القانون سواء، وأن باب الصعود الاجتماعي مفتوح بلا أفق للمجتهدين وذوي الكفاءات والخبرات، بصرف النظر عن أوضاعهم الاجتماعية وأصولهم الطبقية، أو انتماءاتهم الدينية والمذهبية.وأن تقدم الدولة وازدهارها مرهون بسياسات الاعتماد على الذات واستقلال إرادة القرار الوطني.

باتت تلك المبادئ والأهداف جزءاً أصيلاً من الوجدان الوطني لكل الشعوب العربية وأضحت معياراً لمدى كفاءة نظم الحكم وفاعليتها.ولم يعد بمقدور أحد أن يتجاهلها، أويتخلى عنها، لاسيما إذا كان الهدف المنشود هو القفز نحو المستقبل.

لا جمهورية جديدة لا في مصر ولا في خارجها، إذا ما ظن أحد أنها تبتعد عن قيم ومبادئ ثورة 23يوليو، التي صارت عالمية ورمزاً لنمو الدول في الشرق والغرب، لأنها تنطلق من الإنسان ولأجله، وترسم السياسات التي تحقق له رفاه حياته وسعادتها، وتحفزه للدفاع عنها والتضحية من أجل تنميتها واستمرارها.

ولو أن من يسعون لاصطناع تناقض بين أشياء غير متناقضة، تابعوا بدقة ما جرى في مؤتمر جدة بين القادة العرب والرئيس الأمريكي جو بايدن، لأدركوا أن تلك القيم الراسخة،لا تزال تحلق عالياً في سماء المنطقة، وليس بوسع أحد أن يتخطاها.

توحدت الكلمة العربية لرفض إقامة أحلاف عسكرية لخدمة أهداف لا ناقة للعرب فيها ولا جمل.. وسمعت واشنطن أن إيران دولة جارة، والتفاوض هو الطريق الوحيد لحل المشاكل معها. وأن ما يحدد طبيعة علاقات دول المنطقة بروسيا والصين هي المصالح العربية، وأنه لا عدول عن الموقف الحيادي من الحرب الأوكرانية، ولا تسييس لملف الطاقة، ولا ضمان لاستقرار أمن المنطقة دون حل عادل للقضية الفلسطينية.

 

 

طباعة Email