في خضم الثورة الرقمية التي يشهدها عالم اليوم، وبروز آثارها الملموسة في كل تفصيل يحيط بنا في حياتنا اليومية، فضلاً عن دورها المتصاعد في شتى سبل حياتنا من تعليم وعمل وغير ذلك من القطاعات، أدرك العالم من حكومات وشركات ومؤسسات، وحتى أفراد المجتمعات، بأن المهارات الرقمية باتت أمراً ملحاً في عالمنا أكثر من أي وقت مضى.
لذلك بادرت دولة الإمارات العربية المتحدة في شهر أبريل إلى تصميم استراتيجية مخصصة لتنمية إمكانات الاقتصاد الرقمي خلال العقد المقبل ليسهم بنسبة 20% من إجمالي ناتجها المحلي غير النفطي، في حين أطلقت الدولة العام الماضي البرنامج الوطني للمبرمجين الذي يهدف إلى تدريب 100 ألف متخصص برمجي في غضون فترة زمنية لا تتعدى خمس سنوات ومنح 100 ألف إقامة ذهبية للمبرمجين والموهوبين عالمياً. وقد كان الأساس المنطقي لهذه المساعي واضحاً للعيان، وهو أن الاقتصاد الرقمي يبنى بسواعد أصحاب المهارات الرقمية.
وبالرغم من ذلك، فإن عالمنا لا يزال يفتقر للمهارات الرقمية الكافية، إذ أظهرت دراسة أجرتها «برايس ووتر هاوس كوبرز» في عام 2018 بأن 70% من قادة الشركات في منطقة الشرق الأوسط تراودهم مخاوف كبيرة حيال توفر المهارات الرقمية الأساسية. وفي نهاية عام 2021، ارتفعت هذه النسبة لتصل إلى 81%. كما يتجلى نقص المهارات الرقمية في نتائج أحدث نسخة من «تقرير المهارات العالمية» الصادر عن شركة «كورسيرا»، والذي وضع المواهب في دولة الإمارات التي تتمتع بمهارات التكنولوجيا وعلم البيانات في المرتبتين 72 و71 على التوالي. وبالنسبة للشركات التي تتطلع إلى جذب المتخصصين المؤهلين في مجال التكنولوجيا، تتفاقم هذه التحديات من خلال تصاعد المنافسة العالمية لاستقطاب هذه المواهب.
وتفضل الشركات تعيين أصحاب الخبرات السابقة في المهارات الرقمية عند التخطيط لتأسيس فرق عمل قادرة على التعامل مع معطيات العصر الرقمي الجديد، إلا أن سوق العمل عموماً يعاني من نقص في الكوادر البشرية المتمرسة في التقنيات الرقمية على الرغم من وفرة الفرص المتاحة في هذا المجال، الأمر الذي يخلق فجوة كبيرة بين الفرص السانحة وعدد القادرين على شغلها. كما أن ارتفاع الطلب على حملة هذه المهارات يجعل من مسألة تعيينهم أمراً مكلفاً، وهو أمر تلمسه الشركات الصغيرة أكثر من غيرها، بما يدفعها للاعتماد في عملية الاختيار على السمات الذاتية للمرشحين كشخصياتهم ومهاراتهم القيادية والناعمة أكثر من الخبرات المهنية المحددة للوظائف المستهدفة. الأمر الذي يفرض عليها ضرورة الصبر على هذه التعيينات الواعدة للحصول على القيمة المرجوة منها، وتحمل الاستثمار الضروري فيها للوصول إلى فرق العمل المنشودة.
وضماناً لنجاح عملية التعيين المذكورة والشروع بصقل مهارات الموظفين الجدد وتأهيلهم لتولي زمام مسؤولياتهم المحددة، لابد للمؤسسات من امتلاك دراية واسعة بالمهارات المطلوبة لكل وظيفة على حدة. ولحسن الحظ، باتت عملية التعرف على هذه المهارات بدقة واكتسابها بأفضل شكل ممكن مسألة أكثر بساطة من ذي قبل بفضل الدورات التدريبية المقدمة عبر الإنترنت وحلول التعلم المصممة بعناية فائقة لتزود المتعلمين بحزمة معينة من المهارات التي يحتاجونها لتولي زمام مسؤولياتهم الوظيفية.
الشهادات التخصصية عبر الإنترنت
شهدت شركة «كورسيرا» ارتفاعاً في معدلات الالتحاق بالدراسة للحصول على الشهادات التخصصية عبر الإنترنت في دولة الإمارات بنسبة 188% خلال السنة المالية 2021-2022، إذ تعمل هذه الدورات التدريبية على صقل مهارات المتعلمين واكتساب مهارات جديدة، ولا تقتصر إمكانية الالتحاق بها على المبتدئين في سوق العمل فحسب، بل يمكن للموظفين بدوام كامل الاستفادة من هذه الدورات لتعزيز مهاراتهم والارتقاء بمساراتهم المهنية إلى آفاق أكثر رحابة.
ويمكن للموظفين الالتحاق بهذه الدورات التدريبية بالشكل الذي يناسبهم لاكتساب مهارات رئيسية ومطلوبة للغاية في سوق العمل اليوم للحصول على وظائف قيّمة تمكنهم من خوض مسيرة مهنية مثمرة. ويقدم رواد القطاع مثل «جوجل» و«ميتا» و«آي بي إم» و«سيلز فورس»، شهادات تخصصية في مختلف المجالات الضرورية في أسواق العمل اليوم، على غرار التسويق عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتحليل الأمن السيبراني. ويحظى الملتحقون بهذه الدورات عادة بدعم مهني يشمل ترشيحهم لجهات عمل محددة ومساعدتهم في تقوية مهاراتهم الأساسية على غرار الذكاء العاطفي، ومهارات التحدث، وإدارة التغيير، وتنمية المؤسسات. وتقدم الدورات التدريبية عبر الإنترنت تعليمات شاملة من أفضل الخبراء في مجالاتهم حول العالم. وتبشر هذه الدورات الشركات الصغيرة بفرص لتعيين الموظفين بناءً على القدرة والمهارة أكثر من الخبرة، نظراً لدورها في تأهيل الموظفين لشغل المناصب بسرعة كبيرة. وعلى سبيل المثال، فإن الشركات الباحثة عن تشكيل فريق الدعم المتخصص في تقنية المعلومات يمكنها الاستفادة من شهادة أخصائي دعم تكنولوجيا المعلومات من جوجل، والتي تؤهل الموظفين لمثل هذه المسؤوليات في غضون فترة 3 إلى 6 أشهر.
وبالنسبة للراغبين بتغيير مساراتهم المهنية، تعمل هذه الشهادات على تزوديهم بالمعارف والمهارات اللازمة للالتحاق بوظائف رقمية للمبتدئين ممن لا يملكون أي خبرة سابقة أو مؤهلات أكاديمية مرتبطة بها. وستكون خيارات التدريب السريعة والمرنة هذه في غاية الأهمية لمبادرات الرقمنة في دولة الإمارات.
أهمية التعليم المخصص لمناصب محددة
يبرز مع الشهادات التخصصية المستقلة تحديان رئيسيان. الأول: على الرغم من وصول المرشح لفهم شامل لمتطلبات المنصب الوظيفي، إلا أنه قد لا يعرف تماماً المهارات التي يحتاجها لأداء مسؤولياته، لاسيما إن كانت تتطلب منه مهارات رقمية متعددة لا تغطيها شهادة واحدة. وثانياً: قد لا يتمكن المتعلمون الحاصلون على شهادتهم حديثاً من بناء تصور واضح حول المسار الوظيفي الأمثل بالنسبة لهم.
وهنا بالضبط تكمن أهمية المسارات التعليمية القائمة على صقل مهارات بعينها ليكون المرشح على أهبة الاستعداد لشغل منصب محدد، وتبرز قدرتها العالية على خلق قيمة ثمينة، لاسيما على مستوى تلبية تطلعات مبادرات طموحة مثل مبادرة البرنامج الوطني للمبرمجين.
إذ إنه من خلال التعليم المخصص لمناصب محددة، سيتمكن المتعلمون من اكتشاف آفاقهم المهنية أثناء رحلة تعلمهم، وتأهيلهم لوظائف المستقبل التي يزداد الطلب عليها يوماً بعد الآخر. وتشمل مزايا التعليم عبر الإنترنت كلاً من التعليم العملي، والقدرة على الانتقال بين الدورات التعليمية، وسهولة الالتحاق بها. وتضمن هذه العوامل تمكين الموظفين من فهم الآثار المهنية بدقة قبل الالتحاق بأي مسار تدريبي، بما يَعد باكتساب مهارات أكبر للمتدربين والموظفين وأصحاب العمل ويعود بقيمة كبيرة على الاقتصاد.
تبدو بوضوح الفوائد الهائلة للشهادات التخصصية عبر الإنترنت والتعليم المخصص لمناصب محددة وقدرة هذه المجالات على دعم النمو الاقتصادي غير النفطي في دولة الإمارات. فالإبداع البشري سيكون المحرك الرئيسي لأي اقتصاد رقمي، والمهارات الرقمية هي الشرط الأساسي الذي لا يمكن التنازل عنه أبداً. لذلك تجد المؤسسات التي تتبنى مقاربة التعيين وصقل المهارات عبر مبادرات التعليم المخصصة للمناصب نفسها أمام خيارات واسعة، وقدرة أعلى على تأسيس كوادر بشرية تزداد كفاءة وقدرة بشكل مطرد. وبذلك، ستكون أكثر استعداداً لمواجهة التحديات واغتنام الفرص المتسارعة في خضم الثورة الرقمية المستمرة، والدفع قدماً بالاقتصاد الرقمي في دولة الإمارات نحو آفاق أكثر رحابة.