بيعوا الأمل ولو كاذباً

ت + ت - الحجم الطبيعي

ما جرى في مصر، وما لحق به في الأردن من اعتداء على شابات جامعيات، مثير للاهتمام، ويستدعي الإنكار والاستنكار، ويثير القلق على الشباب الجامعي، إناثاً وذكوراً، إذ لم تعد المجتمعات العربية، على ما يبدو، تفتح أمامهم إلا دور الضحية، قاتلاً وقتيلاً.

ليس هنالك أمل في المستقبل، ولا فرصة بحياة صحية، ولا اعتراف بالموهبة أو الكفاءة، وهناك بالمقابل، غض طرف عن النوازع المظلمة، وحالات الخروج عن العقل والمنطق، واستسهال الفكرة التي تقول: فليفعل كل إنسان ما يريد، لن نستطيع منعه، لكننا سنعاقبه في النهاية، وسينال جزاءه.

ماذا يمكن أن يفيد هذا المنطق المجتمع، الذي هو الخيمة التي يعيش في ظلها كل هؤلاء الأفراد، والقاعدة التي تقوم عليها الدول...؟ ماذا يمكن أن يفيد هذا الفتيات اللواتي قتلن، وماذا يمكن أن يمنح هذا من عزاء لعائلاتهن...؟ بل، وحتى بماذا يمكن أن يفيد القاتل الذي ما كان يمكن أن ينحدر إلى هذا المستوى من الجريمة لو كان يعيش في مجتمع مفتوحة شبابيكه على الأمل والتفاؤل...؟ ماذا يمكن أن يفيد هذا ذويه الذين اكتسبوا في غمضة عين سمعة العائلة غير المؤهلة لتربية أبنائها، وأنها سلالة إجرام وانتهاك...؟!

في الطريق إلى تحميل القاتل مسؤوليته، هناك مسؤوليات قاتلة أشد، وليس أشدها مسؤولية العائلة التي لم تتمكن من منح ابنها، الذي استحال قاتلاً، ما يمنعه من الانعطاف إلى طريق ليست له.

أقصد، على نحو ما، أن هذه الجرائم الشنعاء، غير المنتظرة في مجتمعاتنا، والغريبة عمّا رسخ فيها من أخلاق، إنما هي مستجدة وتنتسب إلى نتائج مرحلة ما سمي بـ«الربيع العربي»، الذي علا فيه صوت الفردانية، والقرار الشخصي، ونبذ كل التزام نحو الآخرين، سواء كانوا عائلة أم زميلة في الجامعة، أم دولة وقانوناً.

إن الصورة الآخذة في النمو في عالمنا تؤشر على أن الدولة في أنحاء كثيرة من العالم، وعلى وجه الخصوص في أوروبا والولايات المتحدة، باتت أقل إصراراً على قول كلمتها، وأكثر ارتخاءً أمام الكلمات الطارئة والجمل المعترضة النافلة. وللأسف تتأثر بهذا التوجه مجتمعات أخرى حول العالم، على نحو أو آخر.

الموضوع يطول، ومحاولة تحليل الأسباب التي أدت إلى جريمة هي دائماً سبب للتعرض إلى اتهامات لا مكان لها، مثل محاولة تبرير الجريمة وفعل القاتل. ولكن حينما تصبح جريمة ما، في مصر، «حالة ملهمة» تصنع جريمة أخرى في الأردن، فإن الأسباب لا تكمن في الأشخاص حتماً، لا مقتولين ولا قتلة.

وحينما يدور سجال الدولة الأعظم في العالم، الولايات المتحدة، على المستوى السياسي والاجتماعي حول اقتناء الأسلحة والحماية الفردية (ومقابلها شركات الحماية الخاصة) والإجهاض، فإن ذلك يدفعنا إلى أن ننتبه إلى أن العالم في خطر، ناجم عن الضغط الهائل الذي تتعرض له المجتمعات بفعل السياسات.

في مصر والأردن جريمتان تقشعر لهما الأبدان، وفي الولايات المتحدة، التي يفترض أن تنشغل بما يجري في العالم، هم منشغلون بحق القتل، ومن يحق له أن يفعل ذلك دون سواه. وليت النقاشات الأمريكية ذهبت بكل هذا الجهد المؤسسي نحو بحث إمكانية صناعة الأمل.. لو فعلوا ولو كذباً، لكانوا وجهوا طاقة الناشئة والشباب في العالم نحو الأثر المنتج والمثمر والروح الإيجابية، وربما كان هذا كفيلاً بتوجيه العالم نحو طرق أكثر إشراقاً.

نعم.. الناشئة والشباب في كل أنحاء العالم يحتاجون إلى الأمل، ولا يستطيعون العيش من دونه، وهم على استعداد لشرائه بأغلى الأثمان، حتى ولو كان كاذباً.

لذا، بيعوا الأمل، ولو كاذباً!

طباعة Email