ترجمان في مدينة كان

ت + ت - الحجم الطبيعي

عندما تكون الذكريات مع الكبار تكبر مع الأيام فتكون لها قيمة تاريخية تنعشها فتذكر الناس في معطياتها خاصةً عندما يكون الحدث يتعلق بتكريم مدينة مثل مدينة دبي وبتشريف شخصية فذة مميزة كصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، لجائزة عالمية في مدينة عالمية كمدينة «كان» الفرنسية، وبحضور أكثر من 130 شخصية دولية من وزراء وعميدي مدن ذات سمعة دولية.

وسبحان الله الذي بيده كل شيء ولا حول ولا قوة لمخلوق إلا بإرادته ومشيئته، فهو المقلب للأيام كيف يشاء حتى أنه لا خيار لأحدنا فيما يريد إلا خياراً محدوداً ومحدداً، نسأل الله أن يولينا خير الزمان.. أيامه ولياليه.

ورغم ذلك فإننا نحن البشر نظل نحتفظ بمواقف وأحداث تمر بنا عابرة، إلا تلك التي نكون نحن جزءاً منها فتبقى راسخة في الذهن بتفاصيلها أحياناً كالتي تحكي قصتها هذه الصورة المرفقة مع هذه العبارات المبعثرة التي سأحاول لملمتها من ذاكرتي التي اختزنتها منذ حوالي 21 سنة، حتى أخرجتها الصورة المذكورة، والتي عثرت عليها ضمن بقايا عشرات الصور التي كانت جزءاً من ذكريات حوالي 39 سنة من العمل الإعلامي في بلدية دبي التي أحمد الله أني - وبدون منٍّ – عملت فيها بكل تفانٍ وإخلاص.

وقصة الصورة المميزة طبعاً تعود لتاريخ 30 مايو 2001م في مدينة «كان» الفرنسية عندما حصلت مدينة دبي ممثلة في بلدية دبي على جائزة «كان» الدولية للمياه في دورتها الثالثة، وذلك بإشراف المؤسسين للجائزة وهم: منظمة اليونسكو والشبكة العربية الأوروبية للمياه وهيئة الأمم المتحدة وجامعة نيس ـ صوفيا انتيبوليس ومدينة كان التي يعرف الجميع شهرتها - خاصة - بمهرجانات السينما والأوسكار الدولية.

مع العلم أن اختيار دبي لهذا التكريم جاء دون سعي أو ترشيح منها، وإنما لكونها مدينة استطاعت تسخير مياه الصرف الصحي ومعالجته بكفاءة وإنتاج نوعية جديدة لاستخدامات ري المزروعات، واستطاعت بواسطتها تحويل مدينة دبي إلى واحة خضراء وسط الصحراء.

وأذكر أنني كنت ضمن وفد البلدية الكبير لهذا المؤتمر برئاسة مدير عام البلدية وقتها، حيث شهدت الدائرة في تلك الفترة ازدهاراً أوصلها لأن تكون أول دائرة محلية يحتفى بها في مبنى الأمم المتحدة بنيويورك من خلال عرضها هناك لـ (مجسم جائزة دبي للمستوطنات البشرية)، وذلك طبعاً أولاً وأخيراً بفضل الدعم الذي كانت تتلقاه من القيادة الرشيدة.

كما أذكر كذلك أننا وأثناء وجودنا في المعرض المصاحب للمؤتمر المذكور، حضر مدير التشريفات الذي أخبرنا أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، والذي كان يحضر مؤتمراً للسياحة في زيوريخ السويسرية سيحضر حفل التكريم، كما تم لاحقاً الترتيب للقائه بمجموعة من رؤساء بعض الشركات الفرنسية ذات الصبغة العالمية، حيث قمنا بالتنسيق والتعاون مع الفندق بتجهيز مكان اللقاء، كما تم الاتفاق مع أحد الإخوة الجزائريين الذي كان دكتوراً من هيئة التدريس في جامعة عجمان - المشاركة في المؤتمر- ليقوم بالترجمة.

وكانت المفاجأة هنا عندما جلس صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد مع الشركات الفرنسية فلم يحضر الدكتور الجزائري للترجمة، وكأنه «فص ملح وذاب» - كما يقال - الشيء الذي جعلنا في موقف حرج.

وبينما كنت واقفاً مع الواقفين، إذا بمدير التشريفات، والذي رآني أثناء زيارته للمعرض، وأثناء ترتيبات اللقاء المرتقب مع اللجنة المنظمة للمؤتمر، وتحديد الشخصيات التي يجب حضورهم، رآني أتحدث الفرنسية والتي للأمانة كانت اللغة الخاصة بالمحادثات والتفاهم العام، وبحسن نية منه فاجأني بسحبي بلطف طبعاً للكرسي الذي على يمين صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد طالباً مني القيام بالترجمة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد من وإلى الفرنسية.

ولا أنكر ساعتها الشعور الذي انتابني بين الخوف والخجل وحالة العرق الذي يتصبب مني حتى أحسست ببلله لملابسي، إضافة لجفاف الحلق الذي أحسست معه أنني في حاجة لشرب ليترات من الماء أو ما من شأنه ترطيب جفاف حلقي الناشف... إلا أن كل هذه المشاعر ما لبثت أن تلاشت بمجرد التفاتة لطيفة ممزوجة بابتسامة رائعة من صاحب السمو الشيخ محمد، حفظه الله، وسؤاله عن حالي… وكأن هذا الموقف منه طال عمره جرعة أمان وتفاؤل وحقنة طاقة إيجابية أطلقت - بفضل الله - شجاعتي وحلت عقدة لساني مستجيباً لأوامره: مبتدئاً قل لهم … حيث بدأت بالترجمة البينية الفورية للجلسة التي استمرت حوالي 48 دقيقة، وكأنني بكرم ولطف من المولى جلت قدرته خريج السوربون أو إحدى الجامعات الفرنسية، وحيث كان اللقاء منقولاً في التلفزيون طبعاً، وعندما عدنا لدبي كان بعض الإخوة والأصدقاء يباركون لي هذا الموقف الذي سجل لي فيه أني كنت في يوم من أيام الزمان مترجماً، أو كما أطلقت عليه: «ترجمان في مدينة كان»، وأسأل الله لهذا البلد دوام الأمن والأمان.

طباعة Email