صلابة الاتحاد.. دروس وقيم

ت + ت - الحجم الطبيعي

قام اتحاد دولة الإمارات في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، بعد أن انضوت سبع إمارات تحت راية دولة واحدة، وأصبح الجميع كالجسد الواحد في وحدتهم وتلاحمهم وتماسكهم، ولم ينبثق هذا الإنجاز التاريخي من فراغ، بل كان نتيجة مجهود كبير بذله القادة المؤسسون، وثمرة من ثمار تحليهم بالعزيمة والطموح والصبر والإخلاص والتفاني، ليغرسوا شجرة الاتحاد، ثم يولوها العناية البالغة، حتى أنبتت وأزهرت، وتغلغلت جذورها عميقة، فازدادت مع الأيام صلابة وتماسكاً.

كما كان هذا الاتحاد المبارك ثمرة من ثمرات وعي أبناء المجتمع، والتفافهم حول قيادتهم مؤازرين لهم، مؤمنين برؤيتهم، وما في الاتحاد من خير عميم لهم، وقد لمسوا آثاره، وقطفوا ثماره، وما تحقق بسببه من إنجازات هائلة على كافة المستويات، ومن قفزات نوعية في مستوى معيشتهم وراحتهم وسعادتهم، كانت في بداية الاتحاد أبعد من مرمى آمالهم وتوقعاتهم، فالتحول كان مذهلاً بكل المقاييس، ففي غضون سنوات قليلة تحول الناس من حياة إلى حياة، من معيشة صعبة ضنكة مليئة بالصعاب والشدائد، إلى معيشة رغدة زاخرة بالرخاء والرفاهية والتمتع بأرقى الخدمات بكل سهولة ويسر، فازدادوا إيماناً وتمسكاً بالاتحاد.

لقد سبقت هذه التجربة الوحدوية تجارب عدة في الوطن العربي، لم يُكتب لها النجاح أو الاستمرار، وأما في دولة الإمارات فقد كان الاتحاد يزداد مع الأيام صلابة وقوة، وقد تجلى هذا عبر محطات كثيرة منذ فجر الاتحاد وإلى يومنا هذا، تعكس مدى تلاحم المجتمع الإماراتي، قيادة وشعباً، والعلاقة الفريدة بين حكام الإمارات أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد، وبينهم وبين شعبهم، هذه العلاقة المتميزة القائمة على التراحم والتلاحم والتكاتف والإيمان المشترك بالمصالح الوطنية العليا، وتلك نعمة عظمى تستوجب شكر الله تعالى والمحافظة عليها بكل السبل.

ومن النماذج التي عكست صلابة الاتحاد انتقال الحكم فيه بكل سلاسة ووفاق، فقد ودع الاتحاد قائده ومؤسسه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بعد أن ملأ الوطن ريادة وسعادة، وقد أجمع الجميع على حبه وكانوا معه كالجسد الواحد، ليتسلم الراية من بعده المغفور له الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، طيب الله ثراه، ليتولى رئاسة دولة الإمارات، بإجماع حكامها وشعبها، الذين التفوا جميعاً حوله، متمسكين بالمكتسبات التي تحققت، وأهمها وجوهرها نعمة الاتحاد، فأدى فقيد الوطن الأمانة على أكمل وجه، إلى أن انتقل إلى جوار ربه بعد مسيرة عطرة مشرقة، فتسلم الراية من بعده صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، ليتولى رئاسة دولة الإمارات، بإجماع الحكام، وبإجماع الشعب، والجميع تحت ظل قيادته جسد واحد في بيت متوحد، صغاراً وكباراً ذكوراً وإناثاً، مؤمنين بحكمته ورؤيته، مصطفين خلفه ليمضي بالوطن نحو آفاق زاخرة بالإنجازات.

إن هذا الواقع الإماراتي الوحدوي المزهر قلّ له نظير في العالم، وهو يدل على صلابة الاتحاد وقوته، وعقيدة أبنائه الراسخة فيه، قيادة وشعباً، وهو يمثل نموذجاً رائداً للمجتمعات في كل مكان، يلهمهم القيم التي تبنى بها الأوطان، ومن أهمها تغليب المصالح العليا، والتحلي بأسباب الوحدة والتلاحم والرؤية المشتركة، والابتعاد عما يخلخل الوحدة الوطنية، ومن أهم من ينبغي أن يتحلوا بهذه الرؤية تلك التيارات والأحزاب التي يرفع بعضها شعارات دينية، وبعضها الآخر شعارات مدنية، وبعضها يسعى لمصالحه الخاصة، ثم يزجون بالمجتمعات في أتون الصراعات والانقسامات والاحتراب، ويفتحون أنفاقاً مظلمة من الشقاق لا تعرف لها نهاية.

ولذلك فإن من واجب المجتمعات أن تتحلى بالوعي التام، وأن توقن بأن رخاءها وازدهارها لا يكون إلا باجتماع الكلمة ونبذ الخلافات وتغليب المصالح العليا، وأن من واجب الجميع أن يتحملوا مسؤوليتهم التاريخية، فيكونوا مفاتيح تراحم وتلاحم لمجتمعهم ووطنهم، سواء كانوا قادة أو علماء أو مفكرين أو إعلاميين أو كُتاباً وأدباء أو مثقفين أو غيرهم.

لقد قام الاتحاد في دولة الإمارات، فهلَّت سحائب الخير بحمد الله على هذا الوطن وأبنائه، وأضحوا في خير عظيم، محافظين على هذه النعمة، ملتفين حول قيادتهم الحكيمة بكل حب وثقة وتآزر، وها هي رايات الاتحاد ترفرف في كل سماء لتعانق النجوم في إشراقها وبهائها.

 

* كاتب إماراتي

طباعة Email