طعامنا الكافي والمغذّي

ت + ت - الحجم الطبيعي

ماذا أكلنا خلال العام الماضي؟ وهل كان كافياً؟ وهل كان مغذياً؟ وهل أكل جميعنا القدر نفسه وتناولنا المحتوى ذاته؟ وهل يتوقع أن نأكل الكمية ذاتها بالمحتوى نفسه الأعوام المقبلة؟ أم جد في الأمور جديد؟

المعلومات الجديدة تخبرنا بأن انعدام الأمن الغذائي في العالم بلغ معدلات غير مطمئنة. التقرير الأممي الصادر قبل أيام عن حالة الغذاء في العالم يشير إلى أن عدد الأشخاص الذين يعانون انعداماً حاداً في أمنهم الغذائي بشكل يعرض حياتهم للخطر ارتفع بمعدلات قياسية. نحو 193 مليون شخص في 52 بلداً في عام 2021 عانوا انعدام الأمن الغذائي بدرجة بالغة السوء.

هذا الرقم المخيف أضاف 40 مليون شخص يعانون الأمن الغذائي مقارنة بعام 2020.

ونحو 570 ألفاً من هؤلاء في السودان واليمن وأثيوبيا وجنوب مدغشقر، حيث أمنهم الغذائي وصل الحد الكارثي. والحد الكارثي يعني تدخلات عاجلة لمنع حدوث انهيار واسع النطاق لسبل العيش، وهو ما قد ينجم عنه مجاعة وموت الآلاف لا قدر الله.

التقرير الصادر عن الشبكة العالمية لمكافحة الأزمات (تحالف بين الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدد من الوكالات الحكومية وغير الحكومية المتخصصة في الأزمات الغذائية) يشير إلى أن الملايين الذين يعانون نقصاً أو انعداماً لأمنهم الغذائي يتطلبون مساعدات غذائية عاجلة لإنقاذهم، لكن أمن الكوكب الغذائي بوجه عام يتطلب معالجة للأسباب التي أدت بنا إلى هذا الحال المقلق للغاية. وللعلم فإن الآمنين غذائياً اليوم قد لا يحتفظون بهذا الأمن غداً. بمعنى آخر، لا أحد بمأمن حتى يكون الجميع آمناً.

أمن الجميع الغذائي يعني أن الغذاء الكافي المأمون المغذي الملبي للاحتياجات والمرضي للأذواق متاح لجميع الناس في جميع الأوقات. وهذا يعني إتاحة الفرص والإمكانات المادية والاجتماعية والاقتصادية للحصول على هذا الغذاء، حتى يحظى الجميع بفرصة حياة موفورة بالصحة والنشاط.

الصحة والنشاط الموفوران المنشودان يقفان على طرف نقيض من الصراعات والظواهر المناخية المتطرفة والصدمات الاقتصادية المتتالية. فهذا الثالوث هو المتسبب فيما نحن عليه الآن من انعدام أمن غذائي يهدد الجميع. ورغم وضوح الرؤية ومنطقية العوامل التي تجعل من هذا التهديد لحياة البشر، إلا أن تحركات الاستجابة بطيئة وإجراءات المواجهة ضعيفة. وربما يساهم التقرير في إيقاظ النائمين واستنفار المتجاهلين.

يخبرنا التقرير أن الصراعات هي الدافع الرئيسي لانعدام الأمن الغذائي. وإذا كانت منطقتنا العربية عامرة بها منذ عقود، فإن الأزمة الأوكرانية عرضت الطبيعة المترابطة لنظمنا الغذائية العالمية لخطر أكبر، وفاقمت من أثر هشاشتها، ووضعت من كانوا معرضين لشح الأمن الغذائي في خانة المتضررين من انعدام الأمن الغذائي، وفي أقوال أخرى أصبحوا واقعين في فخ «مستويات عالية من الجوع الحاد»!

وما يجري في أوكرانيا جاء ليضع العالم كله في مواجهة مأساوية مع تفاقم انعدام الأمن الغذائي لدرجة أن الخبراء يؤكدون أن عدم التحرك الآني لمنع حدوث أكبر أزمة غذائية في التاريخ سيفجر اضطرابات اجتماعية واقتصادية وسياسية يصعب تطويقها.

يشار إلى أن هذه الصراعات (من دون الصراع في أوكرانيا) دفعت بنحو 139 مليون شخص في 24 دولة إلى حلقة انعدام الأمن الغذائي الحاد.

الأمن الغذائي الحاد هو أيضاً الوجه الآخر للظواهر المناخية المتطرفة الماضية قدماً في تطرفها في كل مكان على سطح الأرض. وإذا كان عدد من يعانون انعدام الأمن الغذائي بسبب تطرف المناخ في عام 2021 بلغ ما يزيد على 23 مليون شخص في ثماني دول، فإن العدد إلى زيادة شبه مؤكدة. ولم لا، وقد أخبرتنا المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن هذه الظواهر المتطرفة مثل موجات الحر الشديد والفيضانات المدمرة أصبحت القاعدة الجديدة على كوكبنا؟!

كوكبنا يخبرنا كذلك أن الصدمات الاقتصادية تطل برأسها بقوة في أزمة انعدام الأمن الغذائي. الفقر وعدم المساواة من المشكلات المزمنة. ولم يطرأ تغير جذري يمكن الارتكان إليه للقول إن الفقر جارٍ علاجه أو أن عدم المساواة خاضعة للتصحيح. لذلك، فإن الصدمات الاقتصادية الناجمة عنهما مضافاً إليها آثار الوباء والأزمة الأوكرانية جعلت ما يزيد على 30 مليون شخص في 21 دولة وإقليماً واقعين في قبضة انعدام الأمن الغذائي في عام 2021.

في 2022 كان يفترض أن يكون الحديث عن الجوع حديثاً خيالياً. لكنه أمر واقع. وليس هناك وسيلة إنقاذ سوى العمل الدولي الفوري المرتكز على التشارك والتعاون. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الإمارات كانت من أوائل الدول التي انتبهت لخطورة ملف الأمن الغذائي، فكرست وزارة للأمن الغذائي. ليس هذا فقط، بل إن «دبلوماسية الخير» المتمثلة في مساعدات غذائية وإغاثية صارت نهجاً وعرفاً تعتمده الإمارات في أنحاء عدة من العالم.

طباعة Email