من يفكك الحروف؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

وصولاً إلى هذا العام؛ 2022، تحمل التقارير عن حرية الصحافة، بيانات ومعلومات وحيثيات مقلقة للغاية. الأمر الأكثر إقلاقاً في ذلك، هو أن كل هذه البيانات والمعلومات والحيثيات، تعكس تفاقماً غير مسبوق في تراجع حصانة المهنة، وفي حرمة حياة من يعمل بها.

وفي الواقع، يبدو أن الأمور بلغت حداً أخطر مما تعكسه هذه التقارير، فقد انتقل الحال بأهل المهنة من أخطار لها علاقة بتعقيدات العلاقة مع مؤسسات رسمية نظامية، ومع الحكومات بالإجمال، في إطار التفسيرات المتشعبة للحقوق والقوانين والمعاهدات الدولية، إلى الوقوع ضحية «الفتاوى» المتعسفة، التي تطلقها تنظيمات ظلامية متطرفة، تعادي الدول والحكومات والمجتمعات وحرية الكلمة والصحافة، جميعاً ومعاً.

ومن المؤسف أن أفعال خفافيش التطرف والظلام، التي شاهدناها في مناطق مختلفة من العالم، تبدو مجرد مزاح مع ما يحصل اليوم، إذ وصل الأمر إلى أن قوى دولية عظمى، لا تتنازل في خطابها عن «الدفاع» عن حرية الصحافة، إذا ما تحدثت مع دول أصغر، ومع مجتمعات أضعف، هي اليوم، نفسها، وبنفسها، ودون الشعور بتهديد من دور الإعلام، تمارس تعسفاً ضد الصحافة والصحافيين بالجملة، وتتهم مؤسسات برمتها، وتمارس عليها الحظر وإغلاق الأثير، وتستغل سلطتها على مؤسسات دولية، وتدفعها لخنق الكلمة، وتفكيك الحروف، وتزوير الأرقام، والعبث بكل ما له علاقة بصنع المعرفة.

في الحقيقة، إن المعضلة التي يواجهها عالم وأهل الصحافة، اليوم، والآن، لم تعد ناجمة عن الاصطدام بثقافات والعمل في بيئات خارج المنظومة الغربية، بل جراء ممارسات هذه المنظومة نفسها، التي نقلت مأساة الصحافة مما تواجهه في مجتمعات العالم الثالث من محاولات تحييدها، وتقييد نشاطها وإعاقة عملها، إلى محاولة إلغاء وجودها في الأثير العالمي كله.

ما يثير القلق هنا، أن هذا لا يجري اضطراراً، بل ينطلق من الإحساس بالقوة، والقدرة على فعل أي شيء، حتى خرق القوانين والتفاهمات الدولية، والقيم الإنسانية.

يثير القلق أيضاً، أن هذا يصدر عن تجمعات دولية، بعضها يمثل نحو ثلاثين دولة، من بينها دول مركزية، تعد نفسها ولية ووكيلة على حرية الصحافة والقيم الإنسانية جميعها.

ويثير الانتباه كذلك، أن منظمات دولية مرموقة، مثل اليونيسكو، تحتفي باليوم الدولي لحرية الصحافة، وتختار لإحياء هذا اليوم في هذا العام، عنواناً هو «الصحافة تحت الحصار الرقمي»، وهو ما يأمل المرء ألا يصبح عنواناً لتحويل المناسبة إلى منصة للضغط على وسائل إعلام تعاني من تغول سلطات «المجتمع الدولي»، الذي هو في الواقع نادٍ غربي للهيمنة.

حرية الصحافة، هي ضمانة للحوار، والحوار هو طريق الوصول إلى الحقيقة، والحقائق هي بوابة التسامح والتفاهم والتعايش، وهذا كله لا يقبل تفكيك الكلمات، وجعلها حروفاً بلا معنى، أو تحطيم الأقلام، وإغلاق منافذ في الأثير أمام وسائل إعلام تخاطب البشرية باسم كتلة وازنة منها.

طباعة Email