رسائل القادة الثلاثة

ت + ت - الحجم الطبيعي

من شرفة الحرب الروسية - الأوكرانية، يكتب العالم شهادة ميلاده الجديدة، هذه المرة لا تشبه حروب الأحلاف والمحاور، لا مجال للمراوحة أو الألوان الرمادية، أطراف الصدام لم يرفعوا أصابعهم من فوق الزناد، الذهاب إلى الحرب قرار، أصعب ما فيه العودة.

اللحظة كاشفة، أوروبا العجوز تعاني أزمات الطاقة، والتضخم الاقتصادي غير المسبوق، والعجز عن المواجهة العسكرية المباشرة، أما الولايات المتحدة الأمريكية، فلها حساباتها في البقاء على «كرسي الأستاذ»، ومن ثم، فإن تحركاتها وردود أفعالها، لا تصب سوى في مصلحة واشنطن فقط.

القوى الأخرى، كالصين والهند، وشرقي آسيا، لم تتورط في حالة انحياز مباشر لأي من أطراف الحرب، برغم موقفها المبدئي مع الكريملين.

رقعة الشطرنج باتت واضحة، مائدة العالم الجديد تعيد ترتيب مقاعدها، حيث تظهر قوى وتختفي أخرى.

الأذكياء هم الذين يستثمرون الفرصة، منذ اندلاع الأزمة، وقد تحلى القادة والزعماء العرب، بحكمة الموقف الدبلوماسي والسياسي، الذي انحاز لفكرة السلام والتسامح، وتغليب لغة الحوار والحلول الدبلوماسية، والمساعي التي من شأنها سرعة تسوية هذه الأزمة سياسياً، بما يحفظ الأمن والاستقرار الدوليين، وبما يضمن عدم تصعيد الموقف أو تدهوره، وتفادياً لتفاقم الأوضاع الإنسانية والاقتصادية، وأثرها في المنطقة والصعيد العالمي.

اللافت للنظر هنا، أن تحليل مضمون الموقف السياسي العربي، جاء عقلانياً ومسؤولاً، وباحثاً عن تحويل هذه الأزمة إلى فرصة تقود العالم العربي إلى موقف موحد ومتماسك، بما يجعله رقماً مهماً في المعادلة الدولية الجديدة.

وسط هذا العالم المتغير، جاءت قمة الرئيس عبدالفتاح السيسي، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، والملك عبدالله الثاني ابن الحسين، ملك المملكة الأردنية الهاشمية لتؤكد أننا أمام حالة عربية تُدرك جيداً المتغيرات الدولية، وتأثيراتها، ومن ثم حرصت هذه القمة على مناقشة الملفات والقضايا الأكثر أهمية في هذا التوقيت الصعب، أول هذه الملفات، تلك التي تتعلق بتعزيز التعاون بين الدول الثلاث، والانطلاق معاً نحو آفاق واسعة، من الشراكة الاستراتيجية، وتأسيس علاقات ممتدة، وتحقيق مصالح مشتركة تصب في خانة تعميق ودعم العمل العربي المشترك.

فالقادة الثلاثة لديهم القدرة على استباق الأوضاع الإقليمية والدولية، وتفادي الانعكاسات والتداعيات هذا الإدراك القوي من القادة الثلاثة، يمثل حجر الزاوية للحفاظ على الأمن القومي العربي، واستقرار الإقليم، وإعادة التوازن للمنطقة العربية بمفهومها الوطني، وذلك نظراً لما تتمتع به مصر والإمارات والأردن، من دور وثقل استراتيجي وسياسي في مختلف الصعد.

إحدى أهم رسائل هذه القمة التي اتسمت بالحوار المفتوح، وقراءة مستجدات العالم، تلك الرسالة المتعلقة بعملية السلام في الشرق الأوسط، فقضية فلسطين، تحظى بالأولوية القصوى لدى قادة الدول الثلاث، الذين أكدوا ضرورة احترام الوضع القانوني والتاريخي، القائم في الحرم القدسي الشريف، واحترام دور الوصاية الهاشمية التاريخية، في حماية الأماكن المقدسة الإسلامية، والمسيحية في القدس، فضلاً عن تأكيد القادة الثلاثة على حل الدولتين، وفقاً للقانون الدولي.

رسائل هذه القمة تشير إلى أفق عربي قادم، ربما يتسع بشكل أكبر لبناء منظومة عربية قوية وصلبة، تستطيع العبور من آثار التصدعات التي شهدتها المنطقة العربية منذ عقد مضى، وأيضاً من تداعيات الحرب الروسية - الأوكرانية، وتفاعلاتها الدولية، وخصوصاً المتعلقة بالاقتصاد والطاقة، وسلاسل الإمداد والأمن الغذائي العالمي.

هذه القمة، تتسق مع روح المبادرة والمبادأة، لخلق بيئة تعاون عربي - عربي يضمن استقرار ومصالح المنطقة، وفي الوقت ذاته يتمكن من الحفاظ على الأمن الغذائي للشعوب العربية.
في تقديري، أن حلم الشراكة العربية - العربية بدأ يترجم واقعياً، وبدأت ملامحه تتشكل، فهذه القمة سبقتها في الأيام الماضية القمة المصرية - الإماراتية بمدينة شرم الشيخ، وبعدها جاءت القمة الرباعية، التي ضمت مصر والإمارات والعراق والأردن في مدينة العقبة، ثم جاءت بعدهما قمة «النقب».

إذن نحن أمام إرادة عربية، قطعت أشواطاً كبيرة في تأكيد مكانة العرب إقليمياً ودولياً، وأرى أن هذا الاتجاه من التعاون العربي - العربي، هو بوصلة النجاة من ركام الأزمنة الماضية.

 

*رئيس تحرير مجلة الأهرام العربي

طباعة Email