تكلفة الإرهاب

ت + ت - الحجم الطبيعي

عالم موازٍ له قواعده، وملامحه الخاصة، الحرب الروسية الأوكرانية، تركت بصماتها على وجه جغرافيا العالم، ليتوقف التاريخ عند مرحلة فاصلة، تؤسس لنظام عالمي جديد سياسياً واقتصادياً وأمنياً.

تحديات هذا العالم عديدة، أخطرها تلك التي تتعلق «بالإرهاب» والتنظيمات المتطرفة الظلامية. كل الأبحاث والدراسات والمؤشرات تقول إن خطر الإرهاب ينمو ويتمدد في مثل هذه البيئة التي يعيشها العالم الآن، بيئة الحروب، والصراع، وعدم اليقين السياسي. الخطر هنا لا يهدد فقط بلداناً بعينها، بل إنه بات يهدد البشرية جمعاء.

الأرقام والإحصائيات وتقارير الأمم المتحدة تقول إن التنظيمات الإرهابية، تستغل الحرب الدائرة عالمياً للانتشار وتعبئة الأنصار وحشد الموارد المالية، لاستعادة تجميع قواها من جديد، نلحظ ذلك في العراق وسوريا واليمن وليبيا، وتونس، ومنطقة الساحل والصحراء، والجزء الغربي، ومنطقة البحيرات في أفريقيا، هذا فضلاً عن توغل هذه التنظيمات، وعودتها للمشهد بقوة في جنوب وجنوب شرق آسيا، وهذا يتزامن مع تحذير المؤسسات الأمنية الأوروبية بأن عام 2022 سيشهد أكبر طفرة في عدد المنضمين للتنظيمات الإرهابية في أوروبا.

إذن نحن أمام مرحلة، تستوجب من العالم إعادة النظر في هذا الخطر الذي يستعد لأن يكون عالماً موازياً، ومجهضاً لخطط الاستثمار والنمو والتنمية والرخاء ورفاهية الشعوب، وعلى سبيل المثال لا تزال المنطقة العربية تدفع فواتير باهظة جراء العمليات الإرهابية ومحاولة تفكيك الدول الوطنية منذ عام 2011.

وأحداث ما يسمي بالربيع العربي، التكلفة هنا ليست اقتصادية فقط، لكنها تكاليف ثقافية وسياسية واجتماعية، لعبت دوراً كبيراً في تشويه الهويات الوطنية، والصورة النمطية للدول، كما أنها حاولت تفسيخ النسيج السياسي والاجتماعي للشعوب.

ما استوقفني بقوة هي سلسلة الدراسات والأبحاث العلمية الرصينة التي تشرح وتحلل بالأرقام والإحصائيات والدلالات حجم الخسائر والتكلفة الاقتصادية للإرهاب على دولة مثل مصر.هذه الدراسة التي نوقشت بحضور، أرفع الباحثين والمفكرين وصناع القرار داخل مؤتمر نظمته وزارة التضامن الاجتماعي والمركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية تحت عنوان «تكلفة الإرهاب..

مقاربة مصرية شاملة»، دراسة كشفت لنا عن المسكوت عنه بشأن الخسائر الاقتصادية التي تكبدها الاقتصاد المصري خلال الفترة من عام 2011 إلى عام 2016، التي بلغت نحو 386 مليار جنيه بالأسعار الثابتة في الناتج القومي الإجمالي ونحو 176 مليار جنيه بالأسعار في الاستثمارات، فلا شك أن الإرهاب ضرب عصب قطاع السياحة والاستثمار في هذا التوقيت، لاسيما أنه تم وضع مصر في قائمة الدول الأكثر تضرراً بالإرهاب.

في الحقيقة أرى أن هذه الدراسة وما تضمنته من أرقام ومؤشرات يجب أن تكون جرس إنذار للمنطقة العربية والعالم أجمع، وأن تكون هناك مقاربة عربية شاملة لمواجهة هذا الخطر الذي لا يستثني أحداً، وهذه المقاربة لا بد أن تتضمن ثلاثة محاور:

المحور الفكري والتنموي الذي يقوم على مجابهة الأفكار الإرهابية من خلال تصحيح المفاهيم المغلوطة وملء الفراغات التي يستغلها الإرهابيون بالمشروعات التنموية. أما المحور الثاني فيتعلق بالعمل على تعميق التعاون المشترك لتجفيف مصادر التمويل والدعم المالي واللوجستي لهذه الجماعات الإرهابية.

يأتي المحور الثالث معتمداً على توفير وتبادل جميع المعلومات والبيانات المتعلقة بالتنظيمات الإرهابية وعناصرها، وهذا لا يقتصر فقط على الدول العربية، إنما يجب أن يكون التعاون عابراً للحدود، لاسيما أن النمط الإرهابي الجديد عابر للحدود.

في النهاية أستطيع القول إن شبح الإرهاب الدولي، يحاول أن يطل برأسه من جديد، وأنه يضع خططاً لضرب الاستقرار من خلال التخريب الاقتصادي، وهدم مرتكزات الدول التي تعتمد عليها الشعوب في النمو والازدهار، ومن ثم فإن المؤشرات الحالية تقول إن الخطر قائم بقوة وتحتاج هزيمته إلى تكاتف عربي وإقليمي ودولي.

 

* رئيس تحرير مجلة «الأهرام العربي»

 
طباعة Email