روح «إكسبو»

ت + ت - الحجم الطبيعي

تشابك الخبر مع التوقيت فكان «رب مصادفة خير من ألف ميعاد». ضمن أخبار انتهاء الحدث العالمي في التنظيم والإثارة والدقة والمحتوى وتحدي ظروف الوباء بالعلم والتنسيق والحرص والمتابعة «إكسبو 2020 دبي»، جاء خبر إعلان «عمال إكسبو شركاء درجة أولى». هذه المساحة الصحراوية الشاسعة التي بلغ عدد ساعات العمل فيها 250 مليون ساعة، وهؤلاء الـ20 مليون زائر، وهذا الإنجاز العالمي الضخم الذي لم يقتصر دوره على مدار ستة أشهر على إطلاع العالم على ما هو قادم غداً والتشبيك بين علماء وخبراء ومواطنين عاديين من شتى أرجاء المعمورة، بل كان بمقام ضمادة تخفيف عن العالم ما يجري فيه من أحداث وحوادث جسام لم يكن لها أن تكون لولا «العمال».

ما لا يقل عن 200 ألف عامل قام «إكسبو 2020 دبي» على أكتافهم. وما لا يقل عن 45 ألف عامل حضروا يومياً على مدار ساعات عمل إكسبو على مدار ستة أشهر. هؤلاء حولتهم دبي من جنود مجهولين إلى نجوم بازغة وشخصيات تحظى بالتكريم. ظن البعض أن التكريم غير المسبوق حدث في اليوم الأول لافتتاح «إكسبو 2020» حين أزيح الستار عن النصب التذكاري للعمال الذين شيدوا وجهزوا المكان، وأشادت بهم وبجهدهم العظيم معالي ريم الهاشمي، وزيرة دولة لشؤون التعاون الدولي المديرة العامة لمكتب إكسبو 2020 دبي، التي قالت حينها إن كلاً من الـ200 ألف عامل الذين شاركوا في بناء إكسبو 2020 يستحق خالص الشكر والتقدير على الجهد الجبار الذي تم بذله.

ولكن ضمن مسك الختام كان المزيد من التكريم للعمال ورسالة شكر وعرفان لهم. فقد تعاون برنامج «رفاهية العمال» مع المقاولين لقلب الأدوار ليوم واحد، وأمضى العمال يوماً في «إكسبو 2020» ولكن على الجانب الآخر كزائرين ومستمتعين بالفعاليات والحفلات وليس كقائمين على راحة الزائرين أو صيانة المكان والحفاظ عليه. ليوم واحد تمكن أفراد الكتيبة العمالية من الاستمتاع بما يتيحه العالم في «إكسبو 2020» الذي بنوه وشيدوه وحافظوا عليه في أبهي صورة على مدار ستة أشهر وما قبلها. حضروا حفلات موسيقية وتذوقوا نكهات العالم وتجاربه الثرية وحظوا بمزيد من الخبرات والمعرفة.

والحقيقة أن برنامج «رفاهية العمال» في حد ذاته يستحق كل التبجيل والاحترام. فالبرنامج كان جزءاً لا يتجزأ من «إكسبو 2020» وهدفه تعزيز معايير رفاهية العمال، والحفاظ على صحتهم وسلامتهم ورفاهيتهم وكرامتهم. ليس هذا فقط، بل عمل البرنامج طيلة الوقت على مراجعة السياسات والإجراءات والمعايير منذ بداية العمل على «إكسبو 2020 دبي».

ومنذ فتح «إكسبو 2020 دبي» أبوابه في أول أكتوبر من العام الماضي، والمقاولون يدعون العمال لزيارة الموقع لمعايشة التجربة التي أسهموا في صناعتها والاستمتاع بوقتهم وتذوق نتاج عملهم وجهدهم.

هذه الرؤية غير المسبوقة من قبل دبي والقائمين على أمر «إكسبو 2020» وضعت مقاييس إنسانية ومعايير حقوقية جديدة ورفعت معايير العمل ومنهجه لكل ما يتلو «إكسبو 2020 دبي» من أحداث وفعاليات عالمية.

رفع شعار «عمال إكسبو 2020 دبي شركاء درجة أولى» فعلاً لا قولاً فقط يسلط الضوء على المكون العمالي في أي عمل، وهو المكون الذي كثيراً ما يتم التعامل معه باحتسابه تحصيل حاصل، أو بتجاهل، أو بتعالٍ.

تحويل ما يزيد على أربعة كيلومترات مربعة إلى ما يشبه المدينة المثالية لم يكن عملاً عادياً ولم يتم على يد عمالة تحصيل حاصل. هم شركاء بالفعل، ووضعهم في بؤرة الضوء والنجومية من قبل كبار المسؤولين عن «إكسبو 2020 دبي» خطوة أكثر من رائعة ورسالة أكثر من ثاقبة.

مصادفة توقيت الرسالة الثاقبة والخطوة الرائعة مع حلول شهر رمضان المبارك تعني الكثير. فرمضان، أعاده الله على البشرية بالخير والسلام والتسامح والصحة والاطمئنان، شهر سمو وتسامح وقبول وغفران ورحمة وتعاطف وتكاتف وتكافل واحتواء ومساواة وتراحم. وهل هناك وسيلة لترجمة روح رمضان فعلياً أو ضرب مثل حي لما ينبغي أن يكون عليه شهر الصيام من محبة ومودة وإنسانية أكثر من ختام «إكسبو 2020 دبي» المسك بعماله الزائرين المستمتعين المحتفلين المتذوقين لما زرعته أيديهم؟

«البيان» نشرت استطلاعاً للرأي على موقعها يسأل: ما أبرز رسائل «إكسبو 2020 دبي» للعالم؟ الاختيارات هي: التسامح والانفتاح، التنمية للجميع، التشارك في المعرفة، كل ما سبق. الإجابة هي كل ما سبق ويزيد. فالحدث العالمي في ظل وباء أممي وبهذا الشكل والمحتوى غير المسبوقين وبحضور من جميع أنحاء العالم وبهذا القدر من الفائدة والمنفعة لمستقبل البشرية جمعاء وبختام جعل من كتيبة العمال نجوماً تستحق الشكر والعرفان والاستمتاع هي رسائل إكسبو المتزامنة والمتوافقة وشهر الخير والمودة والرحمة والإنسانية.

وإذا كان العالم ودع «إكسبو 2020 دبي»، فإنه استقبل واستوعب روح «إكسبو» وإرثه.

 

* كاتبة صحافية مصرية

طباعة Email