القراءة للمرة الرابعة

ت + ت - الحجم الطبيعي

يعدّ ويليام فوكنر، الـروائي الأمريكي المعروف والحائز علـى نوبل للآداب عام 1949، واحداً من أكثر أقرانه تأثيراً. وهو معروف بتنوع إنتاجه الذي يتوزع على روايات وقصص وسيناريوهات وشعر ومسرح.

وبالنسبة لكثيرين، فـإن روايـته الأشهر «الصخب والعنف» 1929 التي لا يشك أحد بقيمتها الأدبية الرفيعة، ممتنعة على القراءة، وَعِرَة الأسلوب، لا يسهل استيعابها؛ وكان شائعاً أن يشكو عامة القراء، وكثير من المشتغلين بالأدب، من صعوبتها واستحالة فهمها.

وفي مقابلة صحافية لافتة مع الكاتب الأمريكي الشهير، يسأله المحاور الصحفي، قائلاً:

- يشكو الكثيرون من استحالة فهم روايتك، رغم قراءتها مرة واثنتين وثلاثاً؛ بماذا يمكن أن يفعلوه ليفهموها؟

يجيب فوكنر، بلا أدنى تردد:

- قراءتها للمرة الرابعة!

نحن عملياً، أمام دعوة للقراءة. وهي دعوة نستذكرها في هذه الأيام الملتبسة، وتنبهنا إلى أننا نغفل عن محاكمة الأحداث من زاوية أخلاقية، وتغرينا بأن نحشد إزاءها وإزاء ما تتصف به من تعقيد، البساطة البليغة للأقوال المأثورة، والحكمة المنقولة عن أدباء وفلاسفة وأصحاب العقل. وهي حكمة تناقش في جلها طباع البشر وطبيعة الكلام ومنطقه.

والحكمة البشرية قالت الكثير حول طبيعة الكلام ومنطقه، ولا تقتصر على ملاحظة طريقة استقباله، بل وترصد بواعثه وحالاته وطريقة إرساله؛ فقيل مثلاً إن العاقل إذا تكلّم حاول أن يكون منطقياً، أما الأرعن فيحاول أن يكون قوياً. وقيل أيضاً إن القوة تُفقِد الحمقى فن الحديث وآدابه، ولكنهم مع ذلك لا يفقدون شهوة الكلام، فينصرفون إليه باندفاع، وتنهمر الكلمات والجمل من أفواههم متصلة من دون علامات توقف وترقيم. وعادة ما تدفعهم لطرح الأسئلة على الآخرين والإجابة نيابة عنهم، والتحدث عن أنفسهم ونيابة عن محاوريهم، الذين لا يجدون في الأثناء فرصة للكلام.

وفي هذا السياق، يروي الكاتب الكولومبي الراحل غابرييل غارسيا ماركيز حادثة ذات دلالة، فيقول: زارني شاب في مقتبل العمر، كان قد نشر روايته الأولى قبل ستة أشهر، وكان يشعر بالزهو لأنه سلّم لتوه مخطوط روايته الثانية إلى ناشر. أبديت له حيرتي لتسرعه وهو لا يزال في أول مشواره، فرد عليّ باستهتار: «أنت مضطر للتفكير كثيراً قبل أن تكتب، لأن العالم بأسره يتلهف لقراءة ما تكتبه. أما أنا فأستطيع أن أكتب بسرعة، لأن ما من أحد يقرأ ما أكتب!».

ويضيف ماركيز، قائلاً: عندئذ، وبإيحاء مبهرٍ، فهمت مغزى العبارة. ذلك الشاب يعرف سلفاً أنه ليس كاتباً في حقيقة الأمر. وبالفعل، فقد كفّ عن إضاعة وقته بالكتابة بمجرد أن حصل على وظيفة في مؤسسة لبيع السيارات المستعملة.

وفنون الحديث لها في الحياة الاجتماعية والسياسة معياران، هما وجهان لعملة واحدة: اللباقة والدبلوماسية؛ وفي اللباقة يقول كاتب: «إذا كان لا بد أن تتحدث عن متاعبك، فلا تضايق بها أصدقاءك، بل تحدث عنها لأعدائك الذين يريحهم أن يعرفوا أنك تواجه المتاعب، ويسعدهم سماعك تتحدث عنها».

وفي اللباقة كذلك، يقول أبو عمرو بن العلاء، وهو أحد القراء السبعة: «كانت العرب تطيل ليُسمع منها، وتوجز ليحفظ عنها». أما أبو الوفا البوزجاني، عالم الرياضيات الشهير، فيقول: «إن غلبك أحد بالكلام، فلا يغلبنك بالسكوت». في حين يقول مثل إنجليزي معروف: «أن تصمت ويحسب الناس أنك أحمق، خير من أن تتحدث ويتأكدون من ذلك».

ويعرِّف أحدهم الدبلوماسية قائلاً: «هي الفن الذي يجعلك تقول لكلبٍ مسعورٍ: يا لك من كلب لطيف!، ريثما تتمكن من التقاط حجر ترميه به»، ويصفها آخر بأنها «فن الصمت». ولكن وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، هنري كيسنجر، الذي يعده الكثيرون واحداً من أبرع منظري السياسة وأساتذة الدبلوماسية، يعرّفها على نحو آخر، حيث يقول: «الدبلوماسية هي فن تحجيم القوة». وهو بذلك، يضع لها نطاقا عملياً أوسع من مجرد المهارة في توظيف الحديث والصمت.

ويقال إن «الناس يستقبلون الشخص بحسب ملابسه، ويودعونه بمقدار مروءته وذكائه». ويقال أيضاً إن الرجل بطبيعة تكوينه يحب أكثر الأشياء تعقيداً في الحياة: المرأة، فإن استحمق تملكه حب منصب أو مكسب وما هو دون ذلك. ومن انحدرت نفسه إلى هذا الحال، دفع ثمن ذلك من مروءته وذكائه؛ فيستقبله الناس بحسب ملابسه، ويودعونه بأقل منها.

ويقال أيضاً، إن قلق الأحمق على مستقبله يدفعه للبحث عن عدو، وإذا لم يجده فإنه يعمل على اختراعه وابتكاره. وحينما يفعل، يكتشف أنه أضاع مستقبله وخسر صديقاً؛ ويقال، كذلك، إن الأغبياء وحدهم هم من لا ينتابهم الشك، أما الحمقى فهم أولئك الذين يعيشون في دوامة الشك بشكل دائم. ويقول الفيلسوف الصيني كونفوشيوس متمماً: «إن الرجل العظيم، يكون في الغالب، مطمئناً ومتحرراً من القلق، بينما صغير النفس عادة ما يكون ضيق الأفق قلقاً ومتوتراً».

والنصيحة الحكيمة التي يقدمها الكاتب الأمريكي مارك توين تقول: «افعل الشيء الصحيح، فإنّ ذلك يجلب امتنان وعرفان أصحاب الأنفس الكبيرة والعقول السوية، ويصيب الحمقى وأصحاب الأنفس الصغيرة بالارتباك والحيرة». ويشير آخر: «إن محاولة التفاهم مع امرأة تبكي، أشبه بمحاولة تقليب أوراق الصحيفة وسط العاصفة»، وكذلك الحال بالنسبة للنقاش مع الرجل السوقي. ويحذر: لا تجادله، فقد يخطئ الناس في التفريق بينكما.

ويضيف آخر: من الحكمة أن تعتذر للرجل إذا كنت مخطئاً، وأن تعتذر للمرأة حتى ولو كنت على صوابٍ، لباقةً وتهذيباً. وكذلك الحال مع الأحمق، لكن ترفعاً؛ غير أن الاعتذار لا ينفع بحال من الأحوال مع الرجل السوقي، فلن يلحظ ما في الاعتذار من مروءة، كما لن يجعل منه ذلك رجلاً حصيفاً، وسيظل جائعاً إلى الانتقام، ويسعى إليه بأية وسيلة، حتى لو كانت مرذولة. وحينما يتحقق له ذلك يحسب أنه حقق نصراً.

وبالحديث عن النصر، يقول حكيم: «النصر ربيع المهزومين وخريف المنتصرين»؛ بمعنى أن الانتصار لا يمنح أصحابه حصانة ضد الزمن، فربّ انتصار يكون نقطة النهاية لمسيرة بدت طويلة، لكنها في الواقع لم تزد عن أن تكون فقرة هامشية في كتاب مهمل. مضافاً إلى ذلك أن الفضيلة تنبع من التفوق الأخلاقي. وبهذا المعنى فإن بعض الهزائم أكثر فضلاً من النصر، وبعضها يمنح أصحابها قوةً ومكانةً أخلاقيةً تفوق ما يجلبه النصر من قوة وتمكين لأصحابه، الذين يرذلهم الضمير الجمعي إن لم يعذبهم ضميرهم الشخصي.

ويقول آخر: «الضمير هو ذلك الجزء من نفسك الذي يعتريه الألم، في الوقت الذي تشعر فيه بقية أجزاء جسمك بالسعادة»؛ وتأنيب الضمير بالطبع يقود الإنسان في النهاية إلى الشعور بالندم، الذي ينجم عن إدراك فداحة الأضرار التي تلحق بالمرء نتيجة ما اقترفه، هو نفسه، مع سبق الإصرار وبكامل إرادته، بحق الآخرين. ويضيف ثالث: «الثقة هي ذلك الشعور الذي ينتابك في اللحظة التي تسبق سقوطك على الأرض مباشرة». ويشير إلى أن هذه الثقة تنبع من خيلاء داخلية، أو مجاملة خارجية.

ولذا قيل: «طعم المجاملة لذيذ، ولكن ليس حين تبتلعها»!

وبطبيعة الحال، ليست الروايات وحدها تتطلب «قراءة للمرة الرابعة»؛ بل والحياة نفسها، وأحداثها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وسلوك من يقيمون على قيدها. وكذلك تلك الأقوال المأثورة والحكم البليغة، التي توجز معبرة، وتفصح عن معانيها ومغازيها بأوضح صورة، ومن ذلك الحكاية حول فوكنر وروايته المستعصية على القراءة.

ويبقى علينا، هنا، أن نتذكر أمرين: الأول، إن حشد الأقوال المأثورة قد لا يجد ترجمة سياسية مباشرة ومحددة، ولكنه يقدم الحكمة البشرية جاهزةً للتوظيف في تناول الأحداث المطابقة. الثاني، إن القراءة للمرة الرابعة، وربما العاشرة، ليست ضمانةً كافيةً للفهم، لا سيما مع الإصرار على القراءة بطريقة مغلوطة، أو مع انحراف نفس القارئ عن المنطق القويم!

طباعة Email