قراءة في تغريدة محمد بن راشد

ت + ت - الحجم الطبيعي

جاءت تغريدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في التوقيت المناسب.. تغريدة كاشفة ومهمة تستحق القراءة والتوقف، إذ وجه صاحب السمو حاكم دبي، رسالة إلى العرب حول «التاريخ الجديد الذي يصنع ‏الآن». وقال ‏في التغريدة: «العالم يمر بمتغيرات كبيرة.. وموازين جديدة.. وتحالفات صعبة... لن تكون الغلبة في النهاية إلا للأمم القوية الغنية المتقدمة»، وتساءل: «ألم يحن للعرب أن يتقاربوا.. ويتعاونوا.. ويتفقوا.. حتى يكون لهم وزن.. ورأي.. ومكانة في التاريخ الجديد الذي يصنع الآن». رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بمثابة دعوة عروبية تتعلق بالمصير المشترك والمستقبل الواحد لهذه الأمة العربية.

نعم هذه التغريد تقودنا إلى التوقف أمام التحولات الكبرى من حولنا.

العالم يتغير، فرص الصعود والهبوط ترسم خريطة عالمية جديدة، البقاء لمن يملك الحكمة والرشد الاستراتيجي والسياسي والدبلوماسي، عجلة التاريخ تتحرك بالتوقيت الأوراسي، الأزمة الأوكرانية، وضعت خطاً فاصلاً لما بعدها، وما قبلها، المؤكد أن هذه الأزمة ستفضي إلى نظام عالمي جديد، دشنته له أزمات اقتصادية، واجتماعية وصحية، بتوقيع (كوفيد19)، الأمر الذي ضاعف من ورطة التصرف والتعامل مع مفردات المشهد.

لا أحد سيبقى بعيداً عن الخسائر، ولا أحد يقف مكتوف الأيدي، من أجل تحويل الأزمة إلى فرصة، كل يستخدم جميع إمكاناته وأدواته لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب، بيادق الشطرنج، لم تعد قادرة على تلبية مطالب الجميع.

زئير الأزمة، يفرض نفسه بقوة في أوروبا، ألمانيا تعلمت الدرس جيداً، للمرة الأولى، تصل ميزانيتها العسكرية إلى 55 مليار دولار، كما أنها للمرة الأولى في التاريخ، تشتري طائرات هجومية من نوع F35 الأمريكية، وأسست صندوقاً لدعم الجيش الألماني، بميزانية تصل إلى مائة مليار يورو، نفس النهج والتفكير، نجده لدى الدول الأوروبية الأخرى، وفي مقدمتها فرنسا، التي تدعو ليل نهار لتشكيل قوى أوروبية مستقلة عن الولايات المتحدة الأمريكية، وحلف الناتو. التجربة قاسية على الجميع، روسيا بات عليها مواجهة أوروبا المسلحة، إعادة مد الجسور بين روسيا وأوروبا، صارت أمراً غاية في الصعوبة والتعقيد.

هذه الحرب، أحرقت رصيد الثقة بين الخطوط التي تحمي مصالح الدول الكبرى، الشارع العالمي بدأ يتحدث عن التورط في حروب نووية، وبيولوجية وكيماوية، بعد أن كان مجرد التلويح بهذه الأسلحة أمراً مستحيلاً.

اللعبة باتت صفرية، أطراف الحرب ترفع شعار: «من ليس معنا فهو علينا»، الاتجاه نحو صناعة أحلاف جديدة وعلانية، لا مكان للحياد في هذه التحالفات والمحاور.

وسط كل هذه المتغيرات والتعقيدات والتحديات، نتوقف أمام تغريدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، سيما أن الشواهد تقول: إن هذه الحرب، وهذه التحديات يمكنها أن تتحول إلى فرصة حقيقية كاملة وغير مسبوقة، وذلك عبر استراتيجية تقوم على إدراك القيمة النسبية الحقيقية للوزن العربي في معادلات الحسابات الدولية، التي تقول إن العرب لديهم الكثير من الأوراق والموارد التي يمكن الاستفادة منها في هذه الأزمة، فعلى سبيل المثال، لو توقفنا أمام ورقة الطاقة في هذه الأزمة، سنجد أن العالم يراهن على أن حل المشكلة في يد الدول العربية، وهذه نقطة لا بد أن يتم استثمارها جيداً، من العرب، سيما أنها تتلامس مع النقاط الرخوة في حسابات القوة الشاملة لدى العالم، أيضاً علينا - نحن العرب - قراءة الدرس جيداً في المسألة الاقتصادية، فمن غير المقبول أن يرتبط الاستقرار الاقتصادي العربي، بتداعيات وأزمات خارج الحدود الجغرافية للعالم العربي، وهنا لا بد لمزيد من التضافر والتعاون والتماسك العربي، للوصول إلى حلول لتحقيق الاكتفاء الذاتي للشعوب العربية، خصوصاً من السلع الاستراتيجيـة والصناعات الذكية والمستقبلية.

هذه المسارات، يحتاج تنفيذها إلى مساحات مشتركة، ورؤية صادقة بين جميع الدول العربية، بما يحقق المصالح العليا للأمة العربية، ويصون الأمن القومي العربي، بما يجعل العالم العربي، رقماً مهماً وصعباً في معادلة النظام العالمي الجديد، وهذا أمر ليس صعب التحقيق، بل إنه يحتاج إلى إرادة صادقة، وسمو، فوق الخلافات والمصالح الضيقة، الفرصة سانحة، والعرب في اختبار انتزاع المكان والمكانة.

 

رئيس تحرير مجلة الأهرام العربي*

طباعة Email