المستقبل ملك لمن يصممه

ت + ت - الحجم الطبيعي

تجاهل أو تأجيل أو تسويف التعامل مع مجريات العصر الواقعة لا محالة يعني خسارة مؤكدة. الاستعداد لها والتعامل معها وتنظيمها فيه مصلحة للجميع. فما بالك باستشرافها واستباقها؟!

في عام 2018 وضمن أعمال الدورة الـ17 لـ«منتدى الإعلام العربي» (بيت الإعلاميين العرب)، كنت شاهداً على انبهارنا جميعاً نحن بنات وأبناء المهنة بدور الروبوت في عالم الإعلام وحجم التدخل الرقمي في الإعلام البشري، وذلك من خلال أنشطة المنتدى وعروضه المواكبة والمستبقة للتطورات الرقمية.

وفي العالم التالي، وفي دورة المنتدى الـ18 خفت حدة الانبهار قليلاً بفضل الاعتياد. وصعد «الزميل» الروبوت مع «زميل» إعلامي من البشر على خشبة المسرح أمام الحاضرين في جلسة عنوانها «إعلامي المستقبل». الإعلامي الروبوت سيصبح أمراً واقعاً. لن يحل محل البشر لكن سيقوم بمهام توفر على البشر وقتاً وجهداً ومالاً. لكن سيظل العقل البشري في المقدمة، وهو العقل الذي يعقل أن الحيلولة دون وصول القطار إلى المحطة بالوقوف على القضبان جنون. قد يعطله قليلاً أو كثيراً، لكن القطار سيصل في نهاية الأمر. لذلك، فإن من يسارع بالوصول إلى المحطة أولاً والاستعداد جيداً هو دون شك الرابح.

وقد ربحت دبي كثيراً على مدار السنوات الأخيرة باستشراف واستباق مجريات العصر الرقمي. فمن تحول رقمي في دوائر العمل والتعليم والخدمات والصحة والترفيه، إلى حكومة مستقبل لا تستشعر الحرج في اعتماد الرقمنة منهجاً، إلى التأسيس لاقتصاد مستدام رقمياً ودمج الرقمنة في قطاع السفر والتنقل بشكل أذهل العالم واليوم تستمر في مضيها قدماً واستباقها المستقبل فتصدر أول قانون من نوعه لتنظيم الأصول الافتراضية لأن «المستقبل ملك لمن يصممه».

الكلمات التي غرد بها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، تؤكد ذلك. «المستقبل ملك لمن يصممه.. واليوم من خلال قانون الأصول الافتراضية نسعى لنشارك في تصميم هذا القطاع العالمي الجديد والمتنامي بشكل سريع.. خطوتنا هي قفزة نحو المستقبل هدفها تنمية هذا القطاع وحماية جميع المستثمرين فيه.. والقادم أجمل.. وأشمل.. وأفضل بإذن الله».

القانون أدهش العالم رغم انشغاله بالأزمة الأوكرانية والمؤثرة بشكل أو بآخر على سكان الكوكب الـ7،9 مليارات. فإن لم يكن بأسعار المواد الغذائية، فبشح القمح، وإن لم يكن بذلك، فبأسعار الوقود ومصير النفط، وإن لم يكن هذا أو ذاك، فبموجة اللاجئين والنازحين ومصيرهم ومصير الدول التي نزحوا إليها.

ستنتهي الأزمة إن لم يكن غداً، فبعد غد. ولن تتوقف الحياة رغم قسوة ما يجري والقلق من تشكلات وتطورات النظام العالمي الجديد. لذلك، فإن من يرفع شعار «العمل كالمعتاد» أو«Business as Usual» سيكون أول الناجين. وهذا لا يعني أن يغض الطرف أو يتجاهل ما يمكن عمله من دعم إنساني أو جهد دبلوماسي أو كليهما للتعجيل بإنهاء هذه المعاناة. لكنه يعني المضي قدماً نحو المستقبل الذي هو ملك لمن يصممه.

والأصول الافتراضية قد تبدو اليوم بعيدة عن الحاضر أو مقتصرة على دوائر الاختصاصيين الرقميين أو غير ذات أولوية. لكن الحقيقة عكس ذلك. الأصول الافتراضية أصبحت واقعاً، ولن تنتظر المتأخرين والمتقاعسين والمتجاهلين لحين تسنح ظروفهم بتوفيق أوضاعهم معها.

ويعتقد البعض أن الأصول الافتراضية ما هي إلا عملة «بيتكوين» الافتراضية الشهيرة. لكن «بيتكوين» هي مكون ضمن آلاف المكونات المرشحة للزيادة. الأصل الافتراضي هو تمثيل رقمي للقيمة التي يمكن تداولها أو تحويلها رقمياً. ويمكن استخدامها لأغراض السداد والاستثمار. ومنها على سبيل المثال لا الحصر، تبادل الأصول الافتراضية بين الأفراد والمؤسسات، محافظ الأصول الافتراضية، سمسرة الأصول الافتراضية، خدمات إصدار وبيع الأصول الافتراضية، وتقديم خدمات الاستثمار في الأصول الافتراضية وبها وغيرها.

في تقرير حديث، توقعت شركة أمريكية متخصصة في الاستثمار في العملات الرقمية وإدارة أصول العملات المشفرة أن ينمو الاقتصاد الرقمي العالمي القائم على الأصول والعملات الرقمية في المستقبل القريب لتصل قيمته إلى ما يعادل تريليون دولار.

هذا المستقبل القريب أسست له دبي قبل أيام بصدور قانون تنظيم الأصول الرقمية والذي وصفه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بأنه «سلطة مستقلة للإشراف على تطوير أفضل بيئة أعمال في العالم للأصول الافتراضية تنظيماً وترخيصاً وحوكمةً واتساقاً مع الأنظمة المالية المحلية والعالمية».

عالم الأصول الرقمية المقبل عليه العالم دون شك ليس منزهاً عن الأخطار. فالأصول الافتراضية، شأنها شأن الأصول غير الافتراضية، معرضة لسوء الاستخدام، لذلك التنظيم مطلوب والقانون لا غنى عنه، ما يعني أن المستقبل حتماً ملك لمن يصممه.

طباعة Email