يد الاقتصاد المباركة

ت + ت - الحجم الطبيعي

يعرف القراء؛ قراء الصحافة والأدب، الكاتب الروسي الشهير ميخائيل شولوخوف، المولود لأم أوكرانية، الحاصل على جائزة نوبل في الأدب لعام 1965، وينزلونه مكانته التي يستحقها.

ولكن يبدو أن هذا الرجل، المحترم والمقدر.

من قطاعات واسعة تمثل الشعبين الروسي والأوكراني، على حد سواء، هو الغائب الأكبر اليوم في هذه اللحظات، التي تدور فيها حرب ضروس في مسرح رواياته، وعلى أرض مخيلته الأدبية، ويقتل فيها أبناء شعبين ينتمي إليهما بالتساوي، من جهة الأب والأم.

في حياته، كان شولوخوف صاحب عقل منطقي وعقلاني، ولكنه بالمقابل، كان صاحب خيال أدبي ملحمي ألمعي. وفي تفكيره كان صاحب تأملات، فيما كان عقله منتجاً للمقولات والمأثورات. إلا أن الحديث لا يتوقف عنده، هو نفسه، اليوم، ولكن عند أربعة سطور كتبها في ملحمته الروائية الشهيرة «الدون الهادئ».

في ملحمته الروائية «الدون الهادئ»، الموزعة على أربعة أجزاء، يصف شولوخوف في سطور قليلة، كيف يصل بطل الرواية العائد من جبهة القتال على جواده، إلى حقول القمح الممتدة، وما إن يترجل عن جواده، حتى يرى محبوبته بين الحصادين والحصادات، وبمجرد رؤيتها، ينتابه التعب، ويشعر بالإنهاك، إلى درجة أنه يميل على عربة لنقل القش، مجاورة له، ويسند جسده عليها.

في هذا المشهد الذي اختلقه، يقول شولوخوف بكلمات واضحة إن الحب مرهق، ومتعب، ومنهك. ولكنه يقول في أجزاء أخرى من روايته، إن الكراهية قاتلة، وتؤدي إلى الإصابة بالعمى العقلي. ويقول في أجزاء أخرى إن الشخصية الإنسانية تتبنى لدوافع ذاتية (منها نزعة التدمير الذاتي، التي تحدث عنها فرويد وإريك فروم)، أو بمحفزات خارجية، توجهات تعاديها هي نفسها، ومن شأنها أن تصيبها بأبلغ الضرر. بل ويمكن لها أن تكون عملية انتحار معلنة، مسببة بالاحتجاج على الأب أو الشقيق الأكبر، أو حتى القدر.

حب مرهق، ومتعب، ومنهك. وكراهية قاتلة، تصيب بالعمى العقلي. من يحتاج إلى ذلك..؟!

سطور شولوخوف الأربعة، تحضر اليوم في نشرات الأخبار، وفي الأحداث الدائرة على مسرح رواياته، وعلى أرض مخيلته الأدبية، التي يقتل فيها أبناء شعبين ينتمي إليهما بالتساوي، من جهة الأب والأم، وهذه السطور التي تخبرنا أن الحب قد يكون مرهقاً، ومتعباً، ومنهكاً. وأن الكراهية قاتلة، وتؤدي إلى الإصابة بالعمى العقلي، تجعلنا نفكر بأن السياسيين، حيث يفشلون، يحتاجون لمخيلة الأدباء، لينجحوا، وليتجنبوا مأزق الحرب، والاستجابة والاستسلام للنوازع السلبية، القادمة من الذات والآخر.

ما يجري اليوم على الأرض الأوكرانية، ربما يكون واحداً من الأمثلة الكبيرة على عدم تكيف النظام الاقتصادي العالمي التقليدي، مع ألوان الاقتصادات الجديدة. ونحن نتحدث هنا عن الاقتصاد الإبداعي (الثقافي)، واقتصاد التشفير المالي، الذي لم نرَ منه بعد سوى العملات المشفرة، والسلع المقدمة بالرموز الرقمية غير القابلة للاسترداد، وسوقها تقدر بالمليارات. والسيطرة على هذه السوق، ليست متاحة، بعد، لأي اقتصاد، ولا لأي دولة.

والمستقبل يعد بالكثير من الممكنات الاقتصادية القادمة من العالم الرقمي، غير الخاضعة، مسبقاً، لسيطرة أسياد العالم الاقتصاديين، التقليديين!

العالم اليوم يحتاج إلى شولوخوف. وهو اليوم يبحث عن يد الاقتصاد المباركة، الاقتصاد، كما رأينا اليوم، هو أداة حرب «نووية»، تستخدمها الكتلة الغربية ضد روسيا، ولكن يد الاقتصاد المباركة، قادرة على إعادة طرفي المواجهة إلى العقل، عبر تذكيرهم بالضرر الحادث على الطرفين، وعلى الطرف المتضرر الثالث، الذي يلهيهم الغضب عن حساب حسابه..

وهذه يد الاقتصاد المباركة، التي تعيد للعالم سلامه!

طباعة Email