العائدون الجدد بعد الحرب الأوكرانية

ت + ت - الحجم الطبيعي

ثمة سؤال مهم يطرح نفسه بقوة الآن: هل الحرب الأوكرانية تمنح قبلة الحياة إلى تنظيم داعش؟

الشواهد تؤكد أن الحرب الدائرة ستفضي إلى مستقبل تتخلله حروب بالوكالة وستستمر طويلاً، كل طرف له أدواته، الحرب بالوكالة هي الرهان الأكبر بين موسكو والغرب في معركة الاستنزاف.

عودة إلى التاريخ نتوقف قليلاً أمام السقوط في مستنقع المحاربين في أفغانستان في الثمانينيات والتسعينيات، ونتذكر أيضاً الصدام الروسي الشيشاني، ونقرأ ما بين سطور نتائج القتال مع محاربي ألبانيا، والبوسنة والهرسك.

الجالسون في مختبرات التخطيط يعرفون النظرية جيداً، ويحترفون تدويرها، عندما نتجول في جغرافية هذا النوع من الصراعات، تتأكد لنا تلك النظرية التي تسمح للإرهاب بالإقامة المفتوحة إلى أن تنتهي مهمته، ثم يبدأ تكليف جديد ليس هذا بعيداً عما قاله صديقي الدبلوماسي العراقي، وقد شهد الفترات الأولى لانتشار القاعدة وأخواتها ثم داعش، الخطة كانت جاهزة سلفاً، المنهج معروف ومحفوظ،جاء الدور على بغداد.. الغزو الأمريكي خطوة أولى،أعقبته تكليفات لوكلاء الدم، طمس الهوية، صناعة الفوضى، إنهاك الدولة العراقية مهمة، لم يكن يستطيع أن ينفذها بحذافيرها سوى هؤلاء الإرهابيين الجوالة والمأجورين.

تجلت نفس النظرية مع ظهور ما يسمى بـ«الربيع العربي»، ومشروع الشرق الأوسط الكبير، هذه التنظيمات تركت بصمات، وتصدعات كبرى على خريطة العواصم العربية صنعوا الفوضى ليمهدوا الطريق أمام هذه الجماعات، تجولوا من الشرق إلى الغرب، التكليفات عنوانها التمزيق والتخريب والتقسيم ثم الإنهاك ثم السقوط.

من يملك مفاتيح هذه النظرية يستطيع استنساخها بسهولة حسب مصالحه، الحرب الأوكرانية تجربة جديدة لأصحاب مفاتيح هذه النظرية، الإنهاك تجربة أثبتت نجاعتها في مواجهات كبرى، ارتدت ثوب الحرب الباردة، العودة إليها هذه المرة لا يحتاج إلى دليل، بدلاً من المواجهة المباشرة بين القوتين النوويتين الأعظم، بات يوجد وكيل اسمه «داعش»، تحت عنوان «مقاتلي الحرية»، التعامل معه اتخذ الطابع العلني، لم يعد الأمر سراً.

الكرملين يتحدث عن نقل مقاتلين من تنظيم داعش تابعين لقاعدة «التنف» الأمريكية إلى أوكرانيا للانخراط في القتال ضد القوات الروسية.

في المقابل، نتوقف أمام تصريحات الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بوصول 16 ألف أجنبي للقتال من أجل بلاده.

بين تصريحات قادة الكرملين والرئيس الأوكراني تتدفق تصريحات علنية حول الاستعانة بالميليشيات والمرتزقة والشركات الأمنية الدولية الجوالة الانتقال من الحرب العسكرية النظامية إلى حرب الاستنزاف، والإنهاك إلى حرب الرابح فيها هي التنظيمات الإرهابية سواء بالحصول على أموال أم تلقي تدريبات عسكرية، وخبرات جديدة.

 التجارب السابقة تؤكد أن هذا النوع من الحروب يمثل البيئة الخصبة لانتعاش داعش وروافده. شرق أوروبا أصبح ملاذاً آمناً للتدريب على القتال، ومخزناً نوعياً لاختباء الإرهاب إذا تطلبت النظرية.

 خسائر كييف لا تقل عن خسائر موسكو، وبالطبع، فإن صاحب مفاتيح النظرية سيدفع فاتورة صناعة هذا النوع من الحروب.

كل المؤشرات تؤكد أن تدفق المتطوعين والمرتزقة المأجورين بين جانبي الصراع يعني صناعة مركز ثقل جديد للمقاتلين الأجانب.

هنا وقفة واجبة مع التاريخ.. فمن يربي القتلة لن يسلم من رصاصهم، هنا نتذكر «العائدون» من أفغانستان، والعائدون من ألبانيا والبوسنة والهرسك والعراق وسوريا لنعرف جيداً ما الذي سيفعله العائدون الجدد بعد نهاية الحرب الأوكرانية؟

 

 رئيس تحرير مجلة الأهرام العربي

طباعة Email