العالم إلى أين؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

دخول الحرب خيار قد يكون متاحاً، الخروج من الحرب قرار قد يضع صاحبه في ورطة. كل الأطراف خاسرة من الحروب.

الحربان العالميتان نموذجان لا تزال بصماتهما دامغة. الحرب الروسية - الأوكرانية. معادلة يدخل فيها التاريخ والجغرافيا.

لا أحد يعرف على وجه اليقين إلى أين تسير نتائج هذه الحرب. هذه الرقعة من خريطة العالم لم تكن مستعدة لتحريك بيادق الشطرنج، جروح كورونا لا تزال تنزف اقتصادياً.

مزيد من الضغوط الاقتصادية، سيحدد مساراً جديداً للعالم.


ليس هناك شيء مؤكد في قراءة نتائج هذه الحرب، سوى أن الأحداث ستصنع نظاماً عالمياً جديداً، لا يشبه النظام العالمي الذي جاء بعد الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة. مؤشرات النظام العالمي الجديد، بدأت ملامحها تتشكل.

 

أول هذه المؤشرات هي التحالفات التي سبقت الحرب الروسية الأوكرانية التي تمثلت في تحالفين «الأوكوس»، الذي يضم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا، وتحالف «الكواد»، الذي يضم الولايات المتحدة وأستراليا والهند، ومرشح للانضمام إليه كل من اليابان وكوريا الجنوبية، للوصول إلى ما يسمى تحالف «الكواد بلس»، وهنا لابد من التوقف أمام نقطة مهمة تقول: إن الحرب التي تجرى الآن ليست فقط بين روسيا وأوكرانيا، لكنها حرب بين روسيا وتحالف القيم، الذي أعلن عنه الرئيس جو بايدن، ويضم نحو مائة دولة، في مقدمتها دول الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، بالإضافة إلى اليابان وأستراليا، ما يؤكد ذلك توافق المائة دولة في فرض عقوبات على روسيا، وإرسال الأسلحة إلى أوكرانيا.أما المؤشر الثاني، فيتمثل في الشراكة الإستراتيجية الشاملة بين روسيا والصين، وهذا ما تترجمه محاولات موسكو بالبحث عن بدائل عبر التعاون مع الصين لتجاوز مخاطر هذه العقوبات المفروضة.

يأتي المؤشر الثالث، لصياغة النظام العالمي الجديد، واضحاً في عودة أجواء الحرب الباردة بين المعسكر الغربي، والمعسكر الشرقي، عبر حدود الحدائق الخلفية، إذ نجد الآن أن روسيا والصين تحاولان استدعاء سيناريو الحرب الباردة، من خلال فتح مسارات جديدة مع دول تمثل حدائق خلفية للولايات المتحدة، مثل كوبا وفنزويلا. في ذات السياق يعمل البيت الأبيض على مواجهة الصين بنفس السيناريو، عبر البقاء والمرور في بحري الصين الشرقي والجنوبي، وإرسال الأسلحة إلى تايوان التي تمثل شوكة في حلق الصين.

المؤشر الرابع، تكشفه محاولات طرفي الصراع الشرقي والغربي بالدفع بقوات غير نظامية، للعبث بأمن واستقرار الطرف الآخر، فعلى سبيل المثال، تقوم الدول الغربية بدعم المجموعات والخلايا والعناصر الإرهابية في مناطق آسيا الوسطى وشمال وجنوب القوقاز، لضرب الأمن القومي لروسيا والصين، وعلى الجانب الآخر تنظر واشنطن وحلفاؤها الغربيون إلى عناصر «فاجنر» الروسية، بوصفها تابعة للكرملين، وأنها تتلقى أوامرها من الرئيس الروسي.

يأتي المؤشر الخامس، متعلقاً بسباق التسلح، إذ إن كل معسكر يحاول زيادة الإنفاق على التسلح، فالولايات المتحدة، تنفق 740 مليار دولار سنوياً، بما يشكل 3.7٪ من الناتج القومي الأمريكي، وهو أعلى نسبة إنفاق في العالم، بينما المعسكر الثاني متمثلاً في الصين التي تنفق 265 مليار دولار، وروسيا التي تنفق نحو 80 مليار دولار، هذا الإنفاق والسباق على التسلح أسهما في ظهور أنواع من الأسلحة لم تكن موجودة من قبل، مثل صواريخ «فرط» الصوت، أي أسرع من الصوت، والحد الأدنى لسرعتها يتجاوز 35 ألف كيلومتراً في الساعة.

المؤشر الأكثر دافعاً لتشكيل هذا النظام العالمي الجديد، هو المؤشر الذي تفرضه التأثيرات الاقتصادية الناجمة عن هذه الحرب، إذ إن كل معسكر وحلفاءه يستهدف إنهاك اقتصاد الطرف الآخر. فالغرب يتهم روسيا بتحويل الغاز إلى سلاح، ويتجلى هذا الشعور لدى الأوروبيين، بينما تتهم الصين وروسيا الدول الغربية بأنها غير عادلة في الممارسات التجارية والاقتصادية، وسط هذا الصراع الاقتصادي بين المعسكرين، نجد أن كل طرف يحاول تحقيق الاكتفاء الذاتي له في الموارد الأساسية، وفي مقدمتها الطاقة، ومن ثم فإن المعسكرين يستمران في حرب تكسير العظام على كل الأصعدة السياسية والعسكرية والاقتصادية، لحين تتضح النيات المستقبلية.

إذن، كل الشواهد والمؤشرات تقول قطعاً: إن العالم رهن نظام جديد حتى لو توقفت الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

 

*رئيس تحرير مجلة الأهرام العربي

 

طباعة Email