ثورة الإبداع في «متحف المستقبل»

ت + ت - الحجم الطبيعي

لطالما جذبني هذا البناء «الثوري» في زياراتي إلى دبي في السنوات القليلة الماضية. في البداية ظننته تصميماً هندسياً جميلاً كبقية التصميمات الجميلة التي تحفل بها شوارع دبي ومراكزها ومؤسساتها.

حيث الجمال جزء من التصميم. وزاد شغفي بـ«المجسم» حين رأيته عن قرب واكتشفت أنه مزين بأنماط رائعة البهاء من الخط العربي الذي يضفي جمالاً على أي تصميم.

لكنه ظل تصميماً مثيراً ليس كغيره ولا مجال لمقارنته بمثله. فلا هو ضارب في القدم فيمكن مقارنته بآثار يزخر بها الكوكب، ولا هو مكتف بحداثة تضعه في مصاف الأعمال الحداثية. غاية القول هو إن مبنى «متحف المستقبل» يقف في مرتبة وحده.

لكن اتضح أن ما يقف في مرتبة وحده ليس المبنى فقط، بل ما يمثله ويقدمه ويعد به. والمسألة ليست في جمال المعمار ولا في أن «ناشيونال جيوغرافيك» اختارته ضمن أجمل 14 متحفاً في العالم.

لكنها فيما يعد به المتحف العالم من محتوى وأدوات ونتائج وآثار.«متحف المستقبل» الذي افتتحه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم قبل أيام هو هدية للإنسانية. المتحف لا يحوي قطعاً أثرية أو مقتنيات نادرة أو أعمالاً فنية فريدة. المتحف يخبر العالم أن الإمارات استعدت للمستقبل فعلاً لا قولاً. المستقبل ابتكار وتطوير وبيئة محفزة ومناسبة لمتطلبات الأجيال الشابة قادة المستقبل.

المستقبل لم يعد مرحلة ننتظرها ونتوقعها. أصبح المستقبل – أو على الأقل جانب معتبر منه - منظومة نستعد لها ونهيئها ونتكيف معها ونكيفها من أجل حياة أفضل.

وفي «متحف المستقبل» يجري استشراف 50 عاماً مقبلة وربما ما بعدها. المتحف الذي يشكل منصة علمية وفكرية فريدة يبني المستقبل عبر رصد الاتجاهات المتوقعة وتصميم وابتكار حلول مبدعة بأدوات جديدة تواكب التحديات وتسابق الزمن بالمعرفة والإبداع. المعرفة والإبداع هما عنوان هذا الإبداع شكلاً وموضوعاً.

وحيث إن لا الإبداع أو المعرفة يعترفان أو يتقيدان بحدود اللغة أو الهوية أو الجنسية أو الانتماء، فإن فضاء المتحف للجميع. وحين قال سموه إن «المتحف سيكون فضاءً معرفياً يستقبل العقول ومستشرفي المستقبل من كل أنحاء العالم وطاولة بحث هي الأكبر من نوعها تتسع لكل الأفكار والتجارب والتصورات الخلّاقة» فإنه رسّخ دستور هذا الكيان الإبداعي.

هو دستور الإنسانية من أجل مستقبل الإنسانية الذي ينبغي ألا تعرقله حروب غير مجدية، أو تحده منافسات تعتمد على القوة العضلية أو الهيمنة السياسية. مستقبل الإنسانية يكمن في علم ومعرفة ونهوض بالعقل. وما أحوج العقل العربي لتمكينه من أدوات المعرفة والإبداع، لا سيما وأن إمكاناته الطبيعية وقدراته الفطرية تؤهله لما هو أفضل وأرقى من واقعه الراهن.

صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أعاد بث الأمل في قلوب وعقول ما يزيد على نصف سكان العالم العربي من الشباب الذين تكمن نجاتهم ورفاههم في مستقبل يظلله العلم لا الخرافة، ويقوم على الابتكار لا النقل والنسخ.

وذلك بقول سموه إن متحف المستقبل امتداد للعديد من المبادرات والمشاريع العلمية والمعرفية التي تحتضنها دبي في إطار رؤية الإمارات لاستئناف الحضارة العربية والنهوض بالعقل العربي والارتقاء بواقع العالم العربي والإنسان العربي.

ويأتي افتتاح هذا الصرح المعرفي الثوري في أعقاب عامين من عمر وباء ضرب العالم وحياة سكانه وتفاصيلهم الكبيرة والصغيرة على حد سواء. وإحدى هذه التفاصيل هي المتاحف التي تأثرت بالجائحة وقيود السفر والتنقل. واحتوت إحدى أبرز الرسائل التي وجهتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) في شأن وضع متاحف العالم في ظل الوباء على دعوة المتاحف على التكيف مع المستجدات حتى تظل تعمل ولو عن بُعد.

ونوهت «يونسكو» إلى أن دور الثقافة والمتاحف يشهد تطوراً سريعاً في المجتمعات، وأن المحتويات الرقمية باتت حتمية في ضوء أوضاع الوباء .

وكذلك في ضوء طبيعة العصر. طبيعة العصر وتحديات الوباء وأممية الثقافة والإبداع والابتكار واستشراف المستقبل من أجل خير البشرية جميعها يتمثل في «متحف المستقبل». إشارة «يونسكو» في رسالتها عن متاحف العالم قبل أشهر عن أهمية العمل المشترك من أجل استنباط وسائل مبتكرة لإنقاذ المؤسسات الثقافية والعلمية والمتاحف والحفاظ عليها وإلهام المجتمعات محلياً وعالمياً تتجلى في «متحف المستقبل».

وإذا كان الشكل الأيقوني للمتحف بالحسابات الهندسية متناهية الدقة والبرمجيات بالغة التقدم والتقنية يذكرنا بأن العنصر البشري لا غنى عنه وأنه الأصل والوسيلة والغاية، فإن محتوى المتحف وفكره ودستوره يؤكد على هذه العلاقة الثنائية التي لا غنى لطرف فيها عن الآخر.

«متحف المستقبل» هو أحدث هدايا دبي الثورية للعالم. المؤكد أن العلم ثورة، والإبداع ثورة، والمستقبل ثورة، لكنها ثورة المعرفة.

* كاتبة صحافية مصرية

 

طباعة Email