عمومية الإيجابية وفهمنا لها

ت + ت - الحجم الطبيعي

في كثير من الأحيان نحصر بعض المصطلحات، ونحدد إطارها رغم شموليتها وعموميتها، والبعض منا يقوم بهذه الممارسات، إما عن عدم وعي وفهم، وإما عن عدم علم بعمق هذا المصطلح والهدف منه، ورغم هذا فإن الجميع يقدمون نصائح وتوجيهات للآخرين وكأنهم خبراء، والأدهى أن هناك من يحضر إحدى الدورات التدريبية، ثم يأنس في نفسه القدرة على أن يقدم هو أيضاً دورة تدريبية، فيبدأ مباشرة في الإعلان عن عنوانها، ودعوة الجمهور للحضور، ثم تكون النتائج محبطة له، لأنه لمس وشاهد ضجر الحضور.

أن تشعر بقدرتك على تنفيذ مبادرة أو مشروع معرفي جميل، ولكن اصقل هذه الرغبة بالعلم والمزيد من التدريب.

أعود للحديث عمن يتصدى للحديث عن موضوع وهو غير مُلم بأهدافه ولا بتفاصيله، وأسوق مثالاً عن مصطلح دوماً نردده ونتغنى به، وهو «الإيجابية»، فالبعض يعتقد أن هذه المفردة خاصة بمجال حياتي واحد، أن تكون إيجابياً في مقر عملك، وهذه الإيجابية تعني انصهارك في أداء وظائفك ومهامك الوظيفية، والبعض الآخر يعتبر الإيجابية أن يُنشئ جواً من الابتسام والسعادة في محيطه، وألا ينقل همومه وأحزانه معه، وآخرون يعتبرون الإيجابية أن تكون مجتهداً في دروسك وتعطيها ما تستحق من الوقت والجهد، وهناك فئة رابعة تعتبر الإيجابية نوعاً من أنواع المبادرة، لذا يجب علينا أن نبادر، ونقدم كل ما بوسعنا من الخير في مجتمعنا، على مختلف أنواع هذا الخير وصفاته.

وقائمة الإيجابية ووظائفها طويلة ومتعددة عند جميع الناس، وإذا أمعنا النظر فإن كلاً منا يفسرها وفق اهتماماته وميوله الحياتية، ولكن في المحصلة النهائية هي مفردة ومصطلح عام وشامل، ويتناول جميع جوانب حياتنا، لكن الذي يحدث من البعض أنهم يقررون عن قصد أو من دون قصد، حصر هذا المفهوم في نطاقهم، فيعرفون الإيجابية وفق رغبتهم وفي إطار ما هم يحتاجون إليها منها، وبالتالي أي عمل أو جهد إيجابي يختلف عن الجزء، الذي يوليه الرعاية لا يعتبره فعلاً إيجابياً، ولا يستحق التقدير، وهذا واقع بطريقة أو أخرى، فنحن لا نمنح التقدير إلا لمن يقدم جهداً جميلاً ومثمراً في نطاق اهتماماتنا، ونتجاهل ونغض الطرف عن أعمال ومنجزات جميلة أخرى.

أسوق مثالاً: البعض قد يكثر من الإشادة لفعل إيجابي في مجال الإنجاز الوظيفي أو النجاح الدراسي، ولكنه لا يهتم ولا يقدر أي مبادرة إيجابية في التعامل مع الآخرين أو في طريقة التعاطي مع المواقف الاجتماعية بصفة عامة، فهو حصر الإيجابية في نطاق العمل أو الدراسة فقط.

قبل فترة وصلتني رسالة عبر «الوتسآب»، وهي قصة على لسان أحدهم قال فيها: حينما كنت أكمل دراساتي الجامعية في أمريكا، وضعني أحد أساتذتي في مجموعة مع فتاة أمريكية تدعى كاترينا، وتلميذ آخر اسمه فيليب، ولكنني لم أكن أعرف الأخير، فسألت كاترينا، من هو فيليب هل تعرفينه؟ فقالت: نعم، إنه زميلنا ذو الشعر الجميل الذهبي، وكان يقعد في المقدمة، قلت: لم أتذكره، أوصفيه أكثر؟ فأجابتني: زميلنا الرائع ذو الهندام المتناسق والمظهر المرتب والأنيق، فعدت وقلت لها: لم أتذكره بعد، أوصفيه بدقة أكثر؟ فقالت: زميلنا الذي يلبس دائماً بلوزة جميلة، وبنطلون جينز مرتب، رددت عليها قائلاً: صدقيني لم أتذكره، رجاء أوصفيه بدقة أكثر، عندها قالت: فيليب زميلنـا الخلوق الطيب، الذي يجلس على مقعد متحرك، عندها فهمت بدقة من تقصد، ولكن طريقة وصفها لفيليب علمتني الكثير، كم كانت كاترينا راقية بوصفها، وإيجابية في نظرتها، لأنها أغمضت عينيها عما يعتبره البعض نواقص في زميلنا فليب، وبدأت بوصف إيجابياته، عندها سألت نفسي لو كان قد حدث العكس، أي كاترينا سألتني من هو فيليب؟ فكيف كنت سأصفه لها؟! بالتأكيد كنت سأقول: إنه زميلنا الجالس على كرسيّ متحرك، فعندما قارنت نظرة كاترينا الإيجابية مع نظرتي السلبية شعرت بالخجل، والذي نصل له أن الإيجابية فعل جميل وعام، ويمكن ممارسته على المستوى الشخصي والعام، وبين مجموعة أو اثنين، ومع أناس تعرفهم أو آخرين تجهلهم، يمكنك أن تكون إيجابياً في كل تفاصيل حياتك.

المهم لا تُضيّق واسعاً، ولا تحجم الآخرين، وتُقزم جهدهم بأن يكونوا رائعين متفائلين وإيجابيين.

طباعة Email