خلال جلسة مع مجموعة من صديقات وزميلات المهنة والمسيرة الأدبية، سألتني إحداهن: هل فكرت في تغيير اهتماماتك والأولويات؟ وهذا السؤال رغم سرعته وخفته إلا أنه يعتبر من الأسئلة الكبيرة، التي تحتاج للتمعن والتفكير قبل الإجابة، وذلك لعدة أسباب، منها أن التغيير حتمي وفي بعض الأوقات يكون إيجابياً؛ لأنه يساير تطور التفكير والمهارات، ولأن الركون والسكون يخالف الإبداع الذي يحتاج للحركة والنشاط، وأيضاً لأن تغيير الأولويات قد لا يكون معضلة، بل على العكس قد يحمل فائدة وهي فتح الذهن والعقل لتلقي معلومات جديدة، ببساطة كأنك تفتح نافذة جديدة تحتوي على أمور وجوانب كنت تجهلها أو كنت بعيداً عنها. رغم هذا لم أتمكن من الإجابة بنعم ولم أستطع القول: لا.. لأن كلتا الإجابتين تتطلب شرحاً وتفصيلاً، وأيضاً تتطلب الكشف عن جوانب ذاتية، فالبعض من قراراتنا المستقبلية رغم أنها تحمل المظهر العام إلا أن منطلقها في العادة يكون شخصياً وخاصاً. لقد رافقني هذا السؤال لبعض الوقت، لأنني من الذين يؤمنون بحتمية التغيير، فأنا أزعم أنني أنتمي لمدرسة الفيلسوف اليوناني هيراقليطس، المتوفي 480 قبل الميلاد، والذي عرف بالفيلسوف الباكي، لأن كتابته دوماً غامضة وحزينة، حيث قال: الشيء الوحيد الثابت في الحياة هو التغيير المستمر. ومع أن التغيير حتمي أو حاجة، إلا أنه وكما هو واضح تنتابنا المخاوف عند التفكير في تغيير بعض عاداتنا أو تغيير طريقة اعتدنا عليها، ويكون مؤرقاً ومتعباً، والمشكلة الأخرى أن عملية التغيير قد تبدأ بخطوة صغيرة لكنها تتحول لهرولة وركض، بمعنى قد تبدأ بعملية صغيرة لتغيير متواضع لكنه ينمو ويتصاعد ويكبر للدرجة التي لا تستطيع السيطرة عليه أو إيقافه، ومن هنا تكون المخاوف لدى شريحة واسعة من الناس.

في عالم الكتابة والتأليف على وجه التحديد، حتمية التغيير واقع لا مناص منه، ومن لا يطرقه ولا يتوجه نحوه سيكون مؤلفاً اعتيادياً ومتواضعاً أو مكرراً ومملاً. لكن الموضوع أشمل من حقل حياتي أو من توجه واحد، لأن مفهوم التغيير شامل وعام يمس مختلف تفاصيل الإنسان، بمعنى لا يمكنك تفصيله وفق ما تريده، فتبدأ في تغيير جانب من شخصيتك دون جوانب أخرى، كيف لمؤلف أن يغير طريقته في الكتابة والتأليف وينجح، وهو يفكر بنفس الطريقة وينظر للأمور بنفس النظرة ويتعاطى مع الأحداث بنفس المنطق؟. كما قلت عندما تبدأ عملية التغيير لن تتوقف في مجال أو مكان محدد، ورغم هذا فإن على كل واحد منا أن يعمل على تغيير عاداته وطرق تفكيره لتكون أكثر حضوراً وفهماً للواقع ومتماشية مع تطور الإنسان، وهذه عملية حتمية لمن ينشد الإبداع ويريد أن يكون إنساناً مبتكراً.. نعم للتغيير، ولكن وفق محطات، ووفق مراحل، فالتغيير للتطور وليس للتغير بحد ذاته.