الجدية مطلب مهم في بعض مواضع حياة الإنسان، وهي تساعد الشخص على إنجاز أعماله بالشكل المطلوب بعيداً عن أي مشتتات أخرى، كما أن الآخرين حينما يرونك جاداً وتهتم بالقيام بأعمالك على أكمل وجه، فإن ذلك يدفعهم لاحترام الجهد الذي تبذله ويعطي انطباعاً إيجابياً عنك.
ولكن تجب الموازنة بين الجدية وعدمها، لأنك قد ترى أن الجدية تؤثر سلباً في حياة بعض الناس وتبعد الآخرين، فتبدأ بكسر الحاجز النفسي بالابتسام وابتكار بعض المواقف المضحكة.. ولذا علينا أن نتحرى المواقف التي يجب أن نتحلى فيها بالجدية أو تلك التي يفضل أن تكون عفوياً وأكثر بساطة وانشراحاً.
هناك من يكره ويقاوم وجود الدعابات أو المزاح الخفيف أثناء العمل، وهذا الشيء سلبي جداً على البيئة العامة للموظفين، فحينما تسود الأجواء الجادة طوال الوقت، فإن هذا قد يؤدي إلى التوتر والملل وكثرة المشكلات بين الموظفين، بينما على الصعيد الآخر تجد البعض وقد حباه الله نعمة إضحاك الناس، فتجده يلقي الدعابات ويمازح الآخرين في حدود الاحترام، وفي الوقت نفسه تجد أداءه الوظيفي متميزاً، بل تجده محبوباً دائماً بين زملائه حيث التعامل بينهم عفوي وبسيط ويسوده التفاهم والتقدير، والسبب أنه قد أضفى نوعاً من المتعة على الأجواء، وكسر الحدود التي تمنع أن تسود لغة أخوية متسقة متفاهمة.
إن المسألة ليست متناقضة، فأحياناً تكون الجدية مطلباً، وروح الدعابة والمرح مطلباً أيضاً، هما ليسا شيئين متعارضين، إنما السر يكمن في اختيار الوقت المناسب واللائق لأي منهما، وهنا يكمن الذكاء الاجتماعي لتحديد الأوقات المناسبة.
ولذا أقول إنه يجب على الرؤساء والمديرين الابتعاد تماماً عن تقطيب الجبين والجدية المفرطة، لأنها ستظهره كأنه مدير أو قائد متزمت يخشاه الجميع، فلا تصدر عنهم مبادرات والكل يخاف من طرح أفكاره، وحتى إن كان هذا المدير لا يوجد في قلبه إلا كل خير ومشاعره لا تحتوي على ذرة من الكراهية، إلا أن الآخرين لا يعرفون ما بداخل قلبه، ولا يرون سوى الجدية المفرطة التي قد تفسر خطأ أو تفهم على جانب غير دقيق وغير صحيح.
قرأت مقولة للعالم الأمريكي هنري وارد بيتشر يقول فيها: رجل من دون حس دعابة يشبه عربة من دون زنبركات للعجلات، إنه يهتز بعنف عند الاصطدام بأصغر حصاة على الطريق. ولا أجد أي صعوبة في إسقاط هذه المقولة على الواقع، فالأشخاص الذين يبالغون في الجدية في جميع جوانب الحياة، تجدهم مع الوقت يأخذون حتى الأمور الصغيرة والسخيفة بشكل جاد، ما يجعلهم يغضبون ويتفاعلون بشكل سلبي مع أتفه الأمور وأبسطها، بينما لو كان الشخص معتاداً الهدوء والبشاشة فإنه سيكون أكثر مرونة وسهولة في التعامل مع مثل هذه الأمور، ولذلك يجب علينا أن نوازن في حياتنا بين الجدية والمرح.