إنقاذاً للكوكب، وبعد أن شهدت مساعي إزالة الكربون زخماً مستجداً، يسعى مختصون في عالم الاقتصاد إلى تصور سوق جديدة تحدث فارقاً واضحاً في التغير المناخي تتخطى المحاولات الخجولة للحكومات والأفراد.

وذكر تقرير لموقع «إن بي آر» أن مجرد فكرة سحب أطنان من غاز ثاني أكسيد الكربون من الهواء لعكس اتجاه التغير المناخي بقيت حتى فترة، حديثاً، مجرد ضرب من الخيال العلمي، إلا أن المسألة باتت من الإلحاح بحيث شهد العام 2021 حركات متزايدة دعماً لإزالة الغازات الدفيئة من الغلاف الجوي للحفاظ على الحياة على الكوكب، سيما في ظل غياب التقدم السياسي الحقيقي في إزالة الانبعاثات.

ويرى المدافعون الحقيقيون عن مسألة إزالة الكربون أنها تشكل مكملاً ضرورياً اليوم وليس بديلاً لخفض الانبعاثات. وشهد العام المنصرم تأييد مجموعة من العلماء المرموقين لمساعي إزالة ثاني أكسيد الكربون. كما أصدرت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، تقريراً يوضح اعتقادها بأهمية إزالة الكربون كجزء من استراتيجية شاملة لمحاربة تغير المناخ.

ونشرت الأكاديمية الوطنية للعلوم والهندسة والطب أخيراً دراسةً تحذر من عدم كفاية التقليل من الانبعاثات لتحقيق الاستقرار في المناخ، مؤكدةً ضرورة إزالة الكربون «لتحقيق أهداف المناخ العالمية».

وتزامناً، كثف رواد الأعمال والشركات الناشئة جهودهم لتطوير تقنيات إزالة الكربون، فأعلن إيلون ماسك على سبيل المثال، في مطلع 2021 عن منح جائزة بقيمة 100 مليون دولار لأي شخص يمكنه «إنشاء وإثبات حل يمكنه سحب ثاني أكسيد الكربون مباشرة من الغلاف الجوي أو المحيطات وحبسه بعيداً بشكل دائم بطريقة غير ضارة بالبيئة».

وتقدم شركات مثل Stripe ملايين الدولارات للشركات الناشئة في مجال إزالة الكربون، أما شركة Climeworks الأيسلندية الناشئة، فأسست ما يعرف بـ Orca لتكون أكبر منشأة في العالم «لالتقاط الهواء المباشر وتخزينه»، حيث تمتص الكربون من الهواء وتحوله إلى صخور للتخزين الدائم تحت الأرض.

الحكومات بدورها بدأت التعامل مع مسألة إزالة الكربون على محمل الجد. وكشف الاتحاد الأوروبي في ديسمبر الماضي عن مساعٍ لتنفيذ خطة إزالة خمسة ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون من الهواء بحلول عام 2030.

كذلك أعلنت وزارة الطاقة الأمريكية في نوفمبر، عن مبادرة «إيرث شوت» الجديدة كـ«أول مبادرة كبرى للحكومة الأمريكية في إزالة ثاني أكسيد الكربون». وقام الرئيس الأمريكي جو بايدن بالتوقيع على مشروع قانون للبنية التحتية يقدر بأكثر من 12 مليار دولار لإزالة الكربون.

ولا تزال البشرية على بُعد سنوات ضوئية من امتلاك التكنولوجيا لإزالة الكربون والتخلص منه على النطاق المطلوب لإحداث فارق حقيقي في مسألة تغير المناخ. ومن هذا المنطلق، يقر عدد من الشخصيات الاقتصادية من أمثال سوزان آثي وراشيل غلينيرستر ونان رانسوهوف وكريستوفر سنايدر بالحاجة لأكثر من مجرد جوائز أو منح حكومية.

وفي حين يحاججون حول الحاجة لقوة الأسواق، تبرز مشكلة غياب أي سوق حقيقي لإزالة الكربون. وأشار فريق الاقتصاديين إلى أن دفع وتشجيع عملية تطوير تقنيات إزالة الكربون إنما يقضي بضرورة خلق سوق مناسب. ويريد كل من آثي وغلينيرستر ورانسوهوف وسنايدر من الحكومات والمنظمات غير الحكومية خلق ما يعرف بالتزام السوق المسبق في مجال إزالة الكربون.

وتقول آثي، عالمة الاقتصاد المتخصصة بالتكنولوجيا في جامعة ستانفورد، معلقةً: «إذا نظرنا إلى الأرقام الموجودة سندرك أنه لا بدّ من أن نجد حلاًّ، سيما أن غالبية النماذج تكشف أن تخفيض الانبعاثات لا يجدي نفعاً».

وتتصور آثي خطة تضع فيها الحكومات والمنظمات غير الحكومية سعراً لإزالة الكربون يضاف إلى العمل على تخفيض الانبعاثات والمضي في تمويل الأبحاث والتطوير المتعلقة بقضايا المناخ الرئيسية، كما تأمل أن تضخ تلك الجهات مليارات الدولارات لخدمة القضية وتحديد المبالغ التي تعتزم دفعها للشركات الخاصة مقابل التخلص من كميات محددة من الكربون من الغلاف الجوي.

وتشير آثي إلى أنها تتخيل الممولين يضعون أسعاراً مختلفة، حيث ستكون مرتفعة بدايةً نظراً إلى وجود الشركات الناشئة في مرحلة إعداد النماذج الأولية المكلفة. وتشير إلى إمكانية الممولين الالتزام بشراء كميات أكبر من إزالة الكربون مقابل أسعار أكثر تدنياً.

ويستطيع المبتكرون على هذا النحو الحصول على بعض الضمانات المتعلقة بالقدرة على رفع المستوى مع تراجع التكلفة، وسيكون هناك حتماً شراة بالانتظار. ومن شأن نظام كهذا أن يخلق نموذج عمل قابلاً للحياة بالنسبة لرجال الأعمال في مرحلة اختبار تقنيات إزالة الكربون في مراحلها الأولى.

وتضيف: «إن كوكبنا يعتمد على حل المشكلة تلك». وتعتبر أنه في حين لا يشكل الفوز بالجوائز نموذجاً للأعمال، فإن التزام السوق المسبق يخلق سوقاً حقيقياً مع العديد من الفوائد المرافقة، حيث إنه لا يولد محفزات اقتصادية لإزالة الكربون وحسب، بل يتيح للشركات الحصول على تمويل خاص من المصارف والمستثمرين ويسمح لها بتمويل فرق المهندسين وشراء الماكينات الجديدة.

وتنطلق الشركات عندئذ في منافسات فيما بينها ليكون التفوق من نصيب أفضل التقنيات والأساليب. وتشير آثي إلى أن الشركات والمنظمات التي سبق أن بدأت تمويل مشاريع إزالة الكربون يمكن أن تخلق نموذجاً للنظام بذاتها.

كما يمكن أن تلتزم بالدفع مقابل وحدات الكربون المزال، وإدارة عجلة القطاع وإثبات إمكانية مبدأ التزام السوق المسبق على الحياة ضمن تقنيات إزالة الكربون. وتعلق آثي في السياق بالقول: «ومن هنا يمكن للحكومات الانطلاق نحو نطاق أوسع».

أما فيما يتعلق بإخفاق البشرية المستمر في مواجهة قضية تغير المناخ، فإنه «من الصعب ألا نصاب باليأس والاستسلام، لكني أعتقد أن تجزئة المشكلة إلى أقسام صغيرة من شأنها أن تساعد في إيجاد الحلّ ووضع تصورات حول ما يمكن القيام به»، على حد تعبير آثي.