على موعد جميل مع «البيان»

ت + ت - الحجم الطبيعي

لن أخفي سعادتي البالغة عندما تلقيت دعوة للكتابة في صحيفة «البيان» قبل أسابيع قليلة، فهي أول دعوة رسمية أتلقاها من صحيفة خليجية/عربية لأكون ضمن أسرتها، بالرغم من عدم تفرغي التام للكتابة الصحفية، إذ أتشرف بالعمل بالمجلس الأعلى للمرأة بمملكة البحرين بقيادة سيدتها الأولى، الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة قرينة عاهل البلاد المفدى، التي جاءت بمشروعها النوعي، قبل أكثر من عقدين، لتسهم في إحداث حراك جديد في مجال العمل النسوي ونقلة نوعية لمكانة المرأة البحرينية كشريك أصيل ومكون لا غنى عنه في صنع مستقبل البحرين.

وتبقى الكتابة الصحفية من المجالات التي يجذبني عالمها - لربما - بحكم النشأة في ظلال والدي، المفكر البحريني محمد جابر الأنصاري، الذي كان بدوره، قبل توقف إنتاجه الفكري قبل بضع سنوات بسبب المرض، يعتبر «البيان» أحد معاقله الجهادية وهو يخوض «معارك التنوير»، وعتاده في تلك المواجهة «سلاح الكلمة» الحرة لتحقيق أمل «مستحق» لم يتخل عنه مهما قسا الواقع العربي.. وهو أمل استعادة الذات العربية وانتشالها من أزماتها غوصاً.. وبحثاً.. وتنقيباً في جذر العطل العميق، مفككاً أسبابه بتشخيص علمي يتجاوز التشنجات العاطفية والتمسك بانتصارات الماضي، ومحذراً من مغبات ذلك، إن طال أمد الهوان والضعف، فلا تجد هذه الأمة مكاناً ضمن حركة التاريخ كما يجب لها أن تكون.. في مقدمة الأمم. 

ولم يكن من السهل، مع التوقف الطارئ لقلم الوالد، بالبقاء ساكنين ومتفرجين أمام هذه التركة الثقافية والأدبية والفلسفية التي كونت مشروعه الفكري الخصب المولد للكثير من الطروحات الجريئة في مكاشفتها للذات دون جلد، وبصراحة لا بد منها، إن أراد العرب نهوضاً متجدداً، محملاً كافة الأطراف الفاعلة في إدارة أي عملية إصلاحية مسؤوليتها في ذلك، وخصوصاً، ذوات جلده من مثقفي الأمة، الذي كان يوصيهم، مذكراً نفسه أولاً، بالبحث عن «وسطية حقيقية» يتصالح فيها العقل والإيمان، والدين مع الدولة، ونحن مع الآخر، وبفك الاشتباك بين القومية واللاقومية بعيداً عن المزايدات والظواهر الصوتية ونظريات المؤامرة.

وأمام تلك المسؤولية، قررنا كعائلة، بأن نؤسس للوالد «دارة» فكرية وثقافية، فهو بحسب ظروف الزمان ومخزون العطاء يعتبر رائداً للفكر وعراباً للثقافة في بلاده البحرين، ويحظى بدعم شخصي، لا حدود له، من قبل الملك حمد بن عيسى آل خليفة، القائد المؤمن بدور الثقافة المحوري في تنقية أجواء ومناخات الإصلاح الوطني الذي تقتضيه سنن الكون في التجديد والتطوير، وبأن أصحاب الفكر والعلماء هم من تعتمد عليهم البحرين في تحصين المجتمع وتقوية نسيجه الوطني من شرور الفتن وهجمات التطرف والتخلف الفكري، التي لا تبقي ولا تذر، متى ما تخلت المجتمعات عن سلاح العلم وتوقفت عن إنتاج المعارف لتقوية العقول في صد موجات الجهل والتجهيل. 

ومن المأمول أن تجد «دارة الأنصاري» مكانها المناسب كمؤسسة ثقافية أوجد راعيها البذرة الأولى لأسرة الأدباء والكتاب قبل 5 عقود في البحرين، ونعمل حالياً بجهود فردية في توثيق ونشر كل إنتاج الأنصاري بهدف إتاحته كأحد منابع ثروات البحرين الفكرية، وهو من كان حريصاً على نقل فكره إلى خارج حدود الوطن ليتفاعل مع فلاسفة الأمة وأدبائها، فتوجه شرقاً وغرباً، وكان من الأصوات الخليجية القليلة التي لبست رداء المفكر العربي، وإن أحاطته نظرات الاستغراب لهذا الصوت الخليجي النابع من «آبار النفط»، على حد قول من كان مستغرباً من جرأة طرحه وتقدم أفكاره التي لا تتناسب بحسب، تقدير هؤلاء أيضاً، مع جفاف الصحراء التي يعتقدون بأنها لا تنتج إلا بترولاً. 

ولن أطيل، فالمقام يقتضي أن أكرر الشكر لـ«البيان» على كريم دعوتها لي، وأهنئها على تصدرها لأهم المواقع الصحفية بحسب تقدير مؤسسة «فوربس» بمتابعات تصل لأكثر من 60 مليون قارئ، وهذا مؤشر إضافي لطليعة «البيان» عربياً وقدرتها على الانتشار والتأثير، وكيف لا؟ فهي تنطلق من دبي، عاصمة «الأمل العربي»، وبعراقة صحفية تعود لما يقارب الأربعة عقود، فأصبحت خير من يسجل إنجازات الإمارات ويروي قصص نجاحها ضمن «ملحمة حضارية» بحجم آمال هذا الشعب الآمن والمسالم والمتصالح مع محيطه، لحفظ وصية مؤسسي هذا الاتحاد الشامخ.. وإلى لقاء قريب.

طباعة Email