المرونة من أجل الحياة

ت + ت - الحجم الطبيعي

العالم منقسم. فريق قرر أن يعانق الحياة وكأن «كوفيد 19» لم يكن، وكأنه ومتحوراته وتطوراته وتقلباته وانقلاباته لم تطبق على حياتنا طيلة عامين مضيا.

وفريق يئن تحت وطأة محاولات الإبقاء على إجراءات احترازية وقيود معيشية تضغط ضغطاً رهيباً على الاقتصاد وحياة الأفراد. وفريق يمضي قدماً في حياة شبه طبيعية مع إجراءات شبه صارمة ومتابعة شبه قاطعة وقرار شبه نهائي بأن يبقى باب التعامل مع الوباء شبه مفتوح، فلا هو مغلق ولا هو مفتوح.

قرارات الفتح في دول مثل بريطانيا والدنمارك وهولندا وأيرلندا والعودة إلى حياة طبيعية دون قيود. والمرجح أن تتواتر دول أخرى منتهجة مسار الفتح نفسه. اللافت أن قرار الفتح والعودة إلى الحياة طبيعية دون سابق قيود، أهمها التلقيح الكامل وإتاحة الجرعات التعزيزية مع استمرار الإجراءات الاحترازية من مسافات آمنة وكمامات وتعقيم مستمر ألحق الكثير من الضرر بملايين الأفراد والشركات، ناهيك عن الحكومات والدول. الفتح غير المخطط أدى إلى زيادة الإصابات وتضخم كلفة العلاج المادية والبشرية.

كان يفترض أن يتصدر خبر الفتح نشرات الأخبار ومشاعر الأفراد باعتباره الخبر الأكثر إيجابية. لكن الواقع يشير إلى أن كثيرين تلقفوا الخبر بكثير من الوجل والتخوف. قبل أشهر قليلة ذاعت كلمات فنانة علقت على كورونا وإصاباتها بقولها: «إللي يعيش يعيش وإللي يموت يموت، والبقاء للأقوى» ذيوعاً على سبيل السخرية والتفكه. لم يطرأ على بال أن تكون الفنانة دقت على وتر ما دون علم منها سيصبح واقعاً معاشاً.

الواقع المعاش يشير إلى اعتناق بعض الدول مبدأ «مناعة القطيع» التي ربما حققها – أو في سبيله إلى تحقيقها - متحور أوميكرون بإصاباته المتواترة لدرجة أن عدداً من الدول المتقدمة صاحبة الريادة في مجالات الرصد والتتبع والإحصاء توقفت عن ذلك، أو توقفت شعوبها عن التسجيل الدقيق للإصابة نظراً لكثرتها. هناك آمال عريضة بأن تكون موجة الإصابات المرتفعة الحالية هي الفصل الأخير من معركة البشرية ضد «كوفيد 19»، وأنه الفصل الذي سيقود شعوب الأرض إلى عالم ما بعد الوباء.

منظمة الصحة العالمية التي دأبت على بث القلق في قلوبنا والرعب في عقولنا رغماً عنها بسبب وباء حديث لا أرشيف له قالت قبل أيام «إن أوميكرون يمنحنا أملاً معقولاً للاستقرار والعودة إلى الحياة الطبيعية». صحيح أن الحديث مازال في طي «الأمل» غير المؤكد، لكن «الدنيا إيه من غير أمل» على رأي الفنانة الراحلة هدى سلطان؟!

لكن يظل سلطان الفيروس غالباً والإعلان عن نواياه غائباً، ودول العالم في رحلتها للتعايش بأقل أضرار ممكنة وحسب ما تتيح إمكاناتها، أبعد ما تكون عن التطابق في التخطيط أو التماثل في التنسيق. وتبقى مرونة التعامل هي كلمة السر. وفي هذه المساحة قبل أسبوعين وتحت عنوان «المرونة كنز لا يفنى» أشرت إلى تصنيف «بلومبرغ» للمرونة الذي تم تدشينه في نوفمبر عام 2020 حيث القدرة على التعايش مع الوباء بأقل خسائر ممكنة. وأشرت إلى تصدر الإمارات دول العالم في هذه القائمة وإنها واحدة من سبع دول فقط في العالم تمكنت من الحفاظ على ترتيبها منذ بداية المؤشر.

وقبل أيام، عادت الإمارات مجدداً لتتصدر المؤشر عن شهر يناير 2022. وقالت «بلومبرغ» إن ذلك يعود إلى التزام الإمارات باستراتيجية طويلة الأمد في التعامل مع الجائحة، حيث تدابير وقائية وأخرى احترازية مع قدرة فائقة على الاستجابة السريعة للتطورات غير المتوقعة مع الإبقاء على تفاصيل حياة المواطنين والمقيمين مستمرة بأقل أضرار ممكنة.

لم يكن في الإمكان تخيل وصول عدد زوار إكسبو 2020 دبي أكثر من 11 مليون زائر حتى الآن، مع تجاوز أعداد الزيارات الافتراضية 72.5 مليون زائر، وكل ذلك بينما الوباء مستمر بشكل أو بآخر على ظهر الكوكب.

أخبار الكوكب اليوم تخبرنا أن دولاً تفرض حظر تجوال ليلياً لاحتواء الوباء، وأخرى تفتح كلياً وتقول عن نفسها إنها تقود أوروبا للانتقال من مرحلة الجائحة إلى الوباء المتوطن، وثالثة تعلن إنها لا قيود بعد اليوم، ورابعة تستمر في إغلاق المجال أمام الرحلات الجوية الدولية، وخامسة ترفع القيود عنها، وسادسة ترفع قيوداً وتضع أخرى، والعالم مستمر في تعامله مع المنحنى الحالي بالغ الارتفاع للإصابات بأدوات وقرارات وإجراءات أبعد ما تكون عن التشابه.

وكل ما سبق يعيدنا إلى مسألة المرونة دون تهويل أو تهوين من وضع الوباء. دبي حيث الاكتظاظ السكاني وحركة السياحة والسفر والترانزيت التي لا تهدأ و«إكسبو 2020 دبي» الذي لا يكذب أو يتجمل مستمرة في التأكيد على أن المرونة والشفافية والواقعية هي الطريق الأوحد. في الإمارات، بلغت نسبة الذين حصلوا على جرعة واحدة من اللقاح مئة في المئة، والحاصلين على الجرعتين أكثر من 92 في المئة.

العالم يختلف في تعامله مع الوباء، حيث الجميع يتعايش، لكن فرق كبير بين التعايش على أساس علمي مرن، وبين التعايش على أساس «إللي يعيش يعيش».

طباعة Email