قمة للديمقراطية بلا ديمقراطيين

ت + ت - الحجم الطبيعي

لم نكن في حاجة إلى نشر صحيفة «نيويورك تايمز» تقرير وزارة الدفاع الأمريكية الذي يكشف عن قتل طائراتها المسيرة مدنيين في العراق وسوريا وأفغانستان، كي نعرف أن القوة المفرطة، الخارجة على الأعراف وسلطة القوانين الدولية، المسلحة بالادعاءات والأكاذيب، هي جزء أساسي من السياسة الخارجية الأمريكية.

وليس احتلال العراق ونهبه وتدميره، بسبب ما ادعت واشنطن كذباً امتلاكه أسلحة دمار شامل، سوى مثال واحد على ذلك من بين أمثلة أخرى كثيرة، جرت في منطقتنا وفي دول أمريكا الجنوبية، وغيرها من دول العالم.

وفي خطابه في القاهرة فور نجاحه في الانتخابات الرئاسية، وعد بارك أوباما بالسعي لتحسين العلاقات الأمريكية بدول العالم الإسلامي، وتعهد بإحلال السلام عن طريق حل للصراع الفلسطيني –الإسرائيلي يقبل به الطرفان. وأعلن أن أمريكا ستساعد العراق على السير نحو مستقبل أفضل، وأنها لا تسعى إلى بناء أي قواعد فيه.

أما في الواقع فقد تخلى أوباما عن حل الدولتين وأمد إسرائيل بصفقات سلاح هائلة، وأصبح في العراق نحو12 قاعدة أمريكية، وأضحى موطناً لنزعات طائفية ومذهبية وعرقية وقبلية وطبقية، لا أفق لنهايتها.

وحولت إدارة بارك أوباما ما سمي بثورات الربيع العربي إلى منصة لدعم تيارات الإسلام السياسي. وفى القلب منها جماعة الإخوان وحلفاؤها وهو ماتجلى فى التجارب المصرية والسورية والليبية. ولاتزال إدارة بايدن الذى عمل نائباً له طوال ثماني سنوات، تواصل ذلك حتى اليوم فى التجربة التونسية برغم الفشل الذي لحق بتلك التجارب.

وعلى خطى أوباما يسير الرئيس الأمريكي جو بايدن. وفي السنة الأولى من حكمه، يستعيد أجواء الحرب الباردة، ولا يفوت أي مناسبة إلا ويغدو الهجوم على الصين وروسيا جزءاً منها، وتصبح شيطنة كل خطوة تقدم عليها الدولتان، فضلاً عن اختلاق المعارك وتلفيق الاتهامات والتحريض الدعائي على سياساتهما أهدافاً ثابتة لنيران الدعاية الأمريكية.

وفي سبتمبر الماضي، أنشأ بايدن تحالفاً ثلاثياً أمنياً مع كل من أستراليا وبريطانيا يعرف باسم «أوكوس» لنشر غواصات نووية في المحيطين الهندي والهادي، لمواجهة النفوذ المتنامي للصين في شرق آسيا، ولا يهم أن تكون نتائجه المؤكدة اشتعال السباق نحو التسلح، أو ربما يكون هدفاً له.

كما أعلنت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون المقاطعة الدبلوماسية لدورة الألعاب الشتوية في الصين، بزعم انتهاكها لحقوق الإنسان، فضلاً عن فرض عقوبات مالية واقتصادية ودبلوماسية على روسيا، وإقدام الأوروبيين على عقوبات مماثلة والترويج لأكذوبة نية روسيا غزو أوكرانيا!

وقبل أيام دعا بايدن مئة دولة لقمة افتراضية من أجل الديمقراطية، بينها العراق ودول يتهم قادتها بالفساد والاستبداد، والفشل، واستثنى من الدعوة روسيا والصين وحتى تركيا شريكته في حلف الناتو.

ولأن الديمقراطية لم تكن هدفاً، بل الهدف هو مواجهة بكين وموسكو، وهو ما أكده البيت الأبيض بأنه «الكشف عن الصراع بين الديمقراطيات والأنظمة الديكتاتورية والاستبدادية، وهو صلب السياسة الخارجية لبايدين»!

يبدو أن الولايات المتحدة لا تريد أن تصدق أنها فشلت في إدارة العالم، وأنها لم تعد القوة العظمى الوحيدة، بعد الصعود الاقتصادي والنفوذ المتنامي للصين في مختلف أنحاء العالم. وأن التحالف الذي تتعزز خطواته بين الصين وروسيا، قادر على صد العراقيل الأمريكية. وهي لا تريد أن تصدق كذلك، فشل المفهوم الليبرالي للديمقراطية، الذي تم حصره غربياً في صندوق الاقتراع.

أوليس اقتراح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بضرورة تعديل نظام التصويت في مجلس الأمن وإدخال إصلاحات هيكلية على الهيئة الدولية، حري بتبني العرب له، لإعادة التوازن المفقود في النظام الدولي؟

 

* رئيس تحرير «الأهالي» المصرية

 

طباعة Email