في الوقت الذي يحصد فيه شعب الإمارات وقيادته الرشيدة ثمار الإنجازات التاريخية التي تم تحقيقها منذ إعلان الاتحاد عام 1971، تبدو المرأة الإماراتية سعيدة ببصماتها الواضحة في كل ما تحقق خلال الخمسين عاماً الماضية، آملة المزيد من الدعم والتمكين في الخمسين المقبلة، ولا سيما قد ظهر تعزيز مكانة ومشاركة المرأة كأحد مستهدفات مئوية الإمارات 2071 مع شعار «المرأة طموح وإشراقة للخمسين» الذي كان شعار احتفالات يوم المرأة الإماراتية هذا العام.

التمكين: التحديات مقابل الأمل

ينظر للتمكين أنه العملية التي يتم من خلالها توفير مجموعة الشروط، والمقومات السياسية، والاجتماعية والقانونية التي تحقق للمرأة إطاراً يدعم حضورها في المجتمع في مناخ يسوده التقدير والاحترام، بما يسمح بالمساهمة في تحقيق التنمية. ومنذ ما يزيد على ثلاثة عقود؛ تتسابق الدول لتضمين عملية تمكين المرأة في دساتيرها، وتسارع بالتوقيع على المواثيق والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بمبادئ المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، ورغم ذلك يظل واقع الممارسة على امتداد الجغرافيات المختلفة يظهر انخفاض ومحدودية مستويات تعليمها ومشاركتها في سوق العمل وعمليات التنمية وحضورها في مختلف مراكز القرار الحيوية، فلا تعكس الإحصاءات عالمياً كفاءتها وإمكاناتها في ظل مجتمعات لم تنضج فيها بعد فكرة المساواة بين الجنسين. 

وفي هذا السياق يظهر وضع المرأة الإماراتية كاستثناء مُشرّف، يعكس البعد الحضاري في مسيرة التنمية التي شهدتها دولة الإمارات خلال الخمسين عاماً الماضية منذ تأسيس الاتحاد فاليوم تحتل الإمارات المرتبة الـ18 عالمياً والأولى عربياً وشرق أوسطياً في مؤشر المساواة بين الجنسين، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2020، لتتقدم بذلك على دول لها تجارب قديمة في مواجهة التمييز وانعدام المساواة ضد المرأة، ولتحقق بذلك هدف الدولة في الوصول إلى قائمة أفضل 25 دولة في العالم في هذا المؤشر، بحلول عام 2021، وتتطلع الإمارات لدخول قائمة العشرة الكبار عالمياً. 

إطار تشريعي مرن ومساحات جديدة

أقر دستور الإمارات مبدأ المساواة بين المرأة والرجل، وانعكس ذلك على كافة التشريعات ذات الصلة بتعليم المرأة والحصول على المساعدات والمزايا الاجتماعية والصحية وشغل الوظائف الحكومية، ورغم أن المرأة الإماراتية حصلت على رئاسة المجلس الوطني الاتحادي في لحظة استثنائية فارقة في العالم العربي، فقد جاء قرار رئيس الدولة بتخصيص 50% من المقاعد للمرأة في المجلس الوطني الاتحادي لتعزيز وجودها ضمن السلطة التشريعية وصياغة القوانين، ولتصبح التجربة البرلمانية الإماراتية نموذجاً عالمياً يحتذى به ولا سيما في ما يتعلق بالتمكين السياسي للمرأة. 

وفي هذا المناخ الداعم، بدت رغبة الإمارات في مأسسة عملية التمكين فأعلن عن تأسيس مجلس الإمارات للتوازن بين الجنسين عام 2015 لتقليص الفجوة بين الجنسين وتحقيق تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة للمشاركة في عملية التنمية المستدامة، وتحقيق رؤية الدولة والتأثير محلياً وإقليمياً ودولياً في ملف التوازن بين الجنسين. وأطلقت كذلك الاستراتيجية الوطنية لتمكين وريادة المرأة في دولة الإمارات 2015-2021 التي وضعت ضمن قيمها وأهدافها تشـــكيل شـــخصية المرأة الإماراتية ومنحها خصائـــص تميزهـــا عن غيرها من نســـاء العالم، من خلال التمســـك بقيـــم المجتمع والتمســـك بالهوية الوطنيـــة بما يعزز تماســـك وتلاحم المجتمع.

ولم يقتصر وجود المرأة الإماراتية على القطاعات التقليدية كالطب أو التعليم، الذي بلغت نسبة مشاركتها في هذين المجالين حوالي 64% من إجمالي العاملين فيهما، فقد استطاعت المرأة الإماراتية دخول قطاعات غير تقليدية فثمة أكثر من 25 ألف سيدة أعمال إماراتية، يعملن في السوقين المحلية والعالمية، ويدرن استثمارات يتجاوز حجمها 60 مليار درهم. وتتركز إسهامات سيدات ورائدات الأعمال الإماراتيات في قطاعات حيوية كقطاع الضيافة والخدمات والعقارات والإنشاءات والأزياء، ولهن وجود بارز في قطاع الفضاء، فقد بلغت المرأة في الفريق القيادي لمسبار الأمل نحو 50%، وشكلت المهندسات الإماراتيات نسبة 34% من العلماء المختصين والعاملين في مشروع المسبار وبلغت نسبتهن 80% من الفريق العلمي الخاص بالمسبار.

كما بلغت نسبة العاملات في وزارة الخارجية والتعاون الدولي 49.5% بمن في ذلك سفيرات بعثة الأمم المتحدة في نيويورك وسفيرات هولندا وألمانيا وفنلندا والدنمارك، وبلغت نسبة النساء حوالي 60% من إجمالي خريجي أكاديمية الإمارات الدبلوماسية.

المرأة طموح وإشراقة للخمسين

وجهت سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك رئيسة الاتحاد النسائي العام رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية «أم الإمارات»، بإطلاق شعار الاحتفال بيوم المرأة الإماراتية لعام 2021 ليكون «المرأة طموح وإشراقة للخمسين تماشياً مع إعلان صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، عام 2021 عام الخمسين».، ليجسد الشعار طموح المرأة الإماراتية الذي لا حدود له بإشراقة وتفاؤل لمستقبل أفضل وأكثر ازدهاراً وتقدماً، في ظل رعاية القيادة الرشيدة. ويأتي الشعار أيضاً بمقام تكريم لدور المرأة خلال عام 2020، حيث أثبتت جدارتها بإسهامها ضمن أبطال الصفوف الأولى في التصدي بشجاعة وإيثار لجائحة كوفيد - 19 بعملها ضمن التخصصات الطبية والتمريضية والفنية والإدارية المختلفة فتحولت على يديها التحديات إلى فرص، وأسهمت بشكل كبير في تسريع وتيرة التعافي.

الإمارات وهيئة الأمم المتحدة للمرأة

وعملت دولة الإمارات منذ اللحظة الأولى للاتحاد على تعزيز حقوق المرأة داخل الدولة وخارجها، بالتعاون مع الهيئات والمنظمات والوكالات المختلفة التي تعمل تحت مظلة الأمم المتحدة. ودعمت الإمارات هيئة الأمم المتحدة للمرأة منذ إنشائها في عام 2010، كما تم انتخاب الإمارات للمشاركة في المجلس التنفيذي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة في الفترتين 2013-2015 و2016-2018، لتكريس المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة.

وخلال تعاونها مع الهيئة، قدمت الإمارات 26 مليون دولار أمريكي، لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، بما في ذلك من خلال مكتب الاتصال التابع لهيئة الأمم المتحدة والخاص بالمرأة في أبوظبي. الذي يعزز بدوره الشراكات مع الأمم المتحدة بشأن مشاركة المرأة وتمكينها.

 وتحت رعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك وقعت مذكرة تفاهم عام 2018 بين كل من وزارة الدفاع الإماراتية والاتحاد النسائي العام وهيئة الأمم المتحدة للمرأة من أجل بناء وتطوير قدرات المرأة في مجال العمل العسكري وقطاعَي الأمن والسلام. وانطلاقاً من حرص الإمارات على تعزيز المساواة بين الرجل والمرأة، وهو ما حدا بهيئة الأمم المتحدة للإعلان في سبتمبر عام 2020 عن إطلاق اسم «مبادرة سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك لتمكين المرأة في السلام والأمن»، على برنامج هيئة الأمم المتحدة للمرأة لتدريب النساء على العمل في القطاع العسكري وقطاعي الأمن والسلام والذي ترعاه حكومة الإمارات وتستضيفه مدرسة خولة بنت الأزور في أبوظبي، والذي شمل 357 مشاركة من عدة دول عربية وأفريقية وآسيوية في دورتيه خلال عامي 2019 و2020، وذلك بالتزامن مع الذكرى العشرين لاعتماد قرار مجلس الأمن 1325 حول المرأة والسلام والأمن. كما تأسس مركز الشيخة فاطمة بنت مبارك للمرأة والسلام والأمن ليتيح فرصاً متنوعة لمشاركة الخبرات وبناء الكوادر النسائية لدعم ملف المرأة والسلام والأمن.

بحيث يمكن القول إن علاقة الإمارات بالأمم المتحدة للمرأة عبرت دائماً عن الدور المحوري والكبير الذي لعبته الإمارات في تحقيق الأمن والاستقرار عالمياً، وعن تطور النظرة لدعم المرأة من حمايتها إلى تمكينها وتأهيلها للمشاركة في حفظ السلام في مجتمعها وفي مختلف الأماكن العالم.

إن قصة المرأة الإماراتية على مدار الخمسين عاماً الماضية قصة ملهمة تستحق أكثر من قراءة؛ مرة من زاوية مفهوم بيئة التمكين ومرة من زاوية الاحتفاء بالهوية والإنجاز ومرة من زاوية المشروعات الرائدة العابرة للجغرافيا. كما أن قصة المرأة الإماراتية قصة تستحق أن تروى، وأفضل ما فيها أنها قصة حقيقية ليست محض خيال أو مبالغة، قصة تعلمنا أن العدل والمساواة والإنصاف قيم ممكنة، وتثبت أنه لا مستحيل أمام النساء على أرض هذا الوطن. فقد آمنت القيادة بالمرأة ودفعتها وسلحتها، وفي المقابل ردت المرأة الإماراتية الجميل لوطنها فرفعت راياته عالياً في كل مجال دخلته.