00
إكسبو 2020 دبي اليوم

مؤتمر تجديد الخطاب الديني

ت + ت - الحجم الطبيعي

تعقد جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية مؤتمراً تحت عنوان «تجديد الخطاب الديني» يومي الثلاثاء والأربعاء، وذلك تحت رعاية سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي، وذلك بهدف تعزيز الوسطية والاعتدال وإبراز مفهوم التجديد وأهميته والحاجة الملحة إليه من أجل التأثير الإيجابي على المخاطَبين.

إن المتأمِّل في أدلة الكتاب والسنة وآثار الصحابة وسير العلماء الربانيين يجد أن الخطاب الديني لن يكون ناجحاً يحقق الغايات المرجوة إلا من خلال معايير وعناصر متنوعة، تراعي صحة المضمون، وقوة الأدلة، ودقة الاستنباط، وسلامة اللغة، وجمال الأسلوب، والذكاء في التعبير.

وتقديم الأولويات، ومراعاة المقاصد، ومواكبة أدوات العصر، وحاجة المخاطَبين ومستوياتهم وثقافاتهم، وظروف المجتمع والواقع، ليكون خطاباً سويّاً معتدلاً يرسخ القيم الإيجابية ويسهم في بناء الحضارة ونفع البشرية.

ويأتي تعريف الخطاب الديني باعتبارين، وذلك بالنظر إلى إضافته إلى من صدر منه، فهو باعتبار صدوره من الشَّارع الحكيم كلام الله سبحانه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وما يلحق بذلك من الإجماع المعتبر الصحيح، وهذا الخطاب محفوظ معصوم، كما يأتي الخطاب الديني باعتبار صدوره من المكلَّفين، وهو كل ما ينسبونه للدين من الحقائق والشرائع وغيرها.

وكذلك طريقة تعبيرهم عن ذلك، فالخطاب الديني بهذا المعنى فعل بشري يحتمل الصواب والخطأ، وهو بحاجة إلى تقييم وتطوير والعناية بتجديده باستمرار، ليتسق مع الفهم الصحيح للدين، ويراعي مقاصده، ويتناسب مع الطريقة السليمة المؤثرة، ويواكب حاجات العصر.

وتتأكد العناية بتجديد الخطاب الديني مع تسلط غير أهله عليه، ممن ليسوا بأهل لذلك من المتعالمين والمتجرئين على الفُتيا، فضلاً عن المتطرفين والإرهابيين والمتاجرين بالدين وأهل التسيُّب والانفلات، الذين يشوشون ويشوهون، وينسبون للدين الحنيف القِيَم السلبية، فمن مظاهر التجديد الديني الضروري حينئذ بيان زيف هذه الخطابات، صيانة للدين وسماحته وقيمه السامية قيم الرحمة والتعايش والسلام ومحبة الخير للعالم أجمع.

كما جاء في الحديث المتفق عليه: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، قال غير واحد من العلماء: الحديث محمول على الأخوة الآدمية، فيدخل في ذلك غير المسلم، فيحبُّ له المسلم ما يحبُّ لنفسه من الهداية وما يترتب على ذلك من الخير والأجر.

كما تتأكد العناية بتجديد الخطاب الديني مع تجدد العصور، وما يترتب على ذلك من اختلاف أساليب التخاطب وتطورها، واختلاف ثقافات الناس، وبروز قضايا ذات أولوية، ووجود الحاجة لإعادة النظر في بعض المسائل الاجتهادية في ضوء أدلة الشرع ومقاصده، وطروء النوازل الجديدة، فضلاً عن هذا العصر الحديث، الذي فتح الله على عباده آفاق التكنولوجيا والثورات الرقمية، حتى أصبح العالم فيه قرية صغيرة، وامتدت تأثيرات هذا التطور إلى شتى الميادين ووصلت إلى مختلف الفئات صغاراً وكباراً.

ولذلك فمن الضروري أن يراعي المعنِيُّون بالخطاب الديني هذه المتغيرات، ويُجدِّدون خطابهم، بما يواكب لغة العصر ومتطلباته وأولياته.

وذلك يستدعي دخول الخطاب الديني وبقوة المرحلة الرقمية وتوظيف التكنولوجيا بأنواعها لتعزيز الخطاب المعتدل السمح، بما يحقق توسيع دائرته الإيجابية ويقلل الدوائر السلبية للخطابات المضادة بحكمة وهدوء وعقل وتدرج، لأن هذه الأجيال المخاطَبة أجيال رقمية، وخصوصاً فئة الشباب التي تمثل الشريحة الأكبر في العالم، مع ما تشهده وتيرة التحول الرقمي من تسارع مستمر وكبير.

إن هذه الحقائق والمعطيات تبين بوضوح أن تجديد الخطاب الديني لا يعني المساس بجوهره وتغيير حقائقه، بل هو تعزيز له، وتطوير لوسائل عرضه وإيصاله مع ما يتوافق مع مقاصد الشريعة وعقول الناس وأفهامهم وثقافاتهم، كما جاء عن عليٍّ رضي الله عنه: «حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّب الله ورسوله».

وإن هذه المبادرة التي تعنى بتجديد الخطاب الديني ضرورية، ولا بد أن تُطرح بأساليب أوسع على مستوى الجامعات في الدول لتعزيز المفاهيم الصحيحة للخطاب الديني.

نشكر جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية على إقامة هذا المؤتمر، آملين أن يُسهم ذلك في تعزيز الخطاب الديني الإيجابي المشرق.

* كاتب إماراتي

 

طباعة Email