00
إكسبو 2020 دبي اليوم

«النهضة».. عملية تجميل فاشلة

إجراء معتاد في تاريخ التنظيم، تكتيك متوارث بتوقيع المؤسس حسن البنا، الخداع والخديعة مفردات قاموس التعامل مع الهزائم، والهروب إلى الأمام. الوصفة الإخوانية ليست جديدة، بل إنها عابرة للحدود والأزمنة، التقية السياسية أسلوب ومنهج إدارة الجماعة عندما تنفضح أوضاعها أمام الرأي العام.

حركة النهضة في تونس نموذج صارخ لفكرة التحول والخداع والتلون السياسي، خلال الأيام الماضية حاول زعيمها راشد الغنوشي أن يقوم بدور «الماكيير» ليحدث عملية تجميل لحركته الفاشلة ظناً منه بقدرته على خداع الشارع التونسي.

الغباء السياسي دائماً ينحاز لهذه الجماعة وروافدها، سلوكها على الأرض لا يمكن أن يمنحهم أي درجة من الثقة، تولوا المسؤولية، وتركوا بصمات الفشل على جدران المؤسسات التي حاولوا السيطرة عليها.

أدركوا جيداً أنه لا رغبة في استمرار حركة النهضة، فتقدموا باستقالات جماعية، حاولوا بيع الوهم للشعب التونسي بدعوى أنهم يؤسسون حزباً جديداً يناهض أفكار وسلوكيات وأيديولوجيات كبيرهم راشد الغنوشي، لم تنطلِ هذه الأكاذيب على التونسيين أبناء وطن الحرية والحضارة والثقافة والتنوير والانفتاح، فالتجربة واضحة، والشعب تعلم الدرس جيداً، من الحمق تكرار نفس الأخطاء، الخلاص من حكم وفساد النهضة بات أمراً لا يقبل التأجيل أو القسمة على وجهات النظر، عقارب 25 يوليو لن تعود إلى الوراء.

الشعب التونسي عاش عشرية سوداء، قضت على الأخضر واليابس، دمرت المؤسسات الوطنية، وقادت الاقتصاد التونسي إلى نفق مظلم لم يعد سهلاً الخروج منه في توقيت سريع، البطالة ازدادت بشكل غير مسبوق، السياحة التي تمثل العمود الفقري لدخل الدولة أصيب بشكل تام، تضخم كبير في أسعار السلع والخدمات والناتج القومي تراجع لأدنى مستوى له منذ عام 2010، صار لدى الشباب التونسي إحساس بأن الحياة لا تختلف كثيراً عن الموت، محاولات الهجرة غير الشرعية باتت هي الملاذ الأخير، الصورة بكل المقاييس أصبحت قاتمة في ظل حكم حركة النهضة منذ ما يسمى بالربيع العربي.

كل هذه التفاصيل والوقائع تقول بأنه من المستحيل أن تظل حركة النهضة جزءاً من المكون الوطني التونسي في الفترة المقبلة، محاولات تغيير وجه الحركة وقادتها قطعاً لن يتقبلها الشارع التونسي، المعلومات الخاصة التي رصدتها أجهزة الأمن التونسي تقول بأن قادة النهضة يخططون للقيام بعمليات عنف وإرهاب الفترات المقبلة، وأنها تستقبل بواسطة جوازات سفر مزورة عناصر وخلايا من غرب ليبيا وسوريا والعراق وغيرها، للتدريب على عمليات عنف وإرهاب بهدف تهديد الأمن والاستقرار في تونس، وخلق حالة من العنف السياسي وتشويه صورة الدولة التونسية أمام المجتمع الدولي بأنها غير آمنة، وغير مستقرة، وليست مؤهلة لقيادة المرحلة المقبلة بهدف زعزعة وضع المؤسسة الرئاسية، وخلق حالة من عدم اليقين السياسي والاقتصادي بما يخدم أجندة الجماعة والتنظيم ظناً منهم بأنهم البديل الوحيد للشعب التونسي، سيما أنهم يرددون كثيراً شعار «إما الإخوان، وإما الفوضى».

هذا الشعار الإخواني على السلطة في تونس ازداد أخيراً بعد الضربات المتلاحقة التي عصفت بالتنظيم في المغرب العربي، بعد الهزيمة المذلة لحزب العدالة والتنمية الإخواني في الانتخابات البرلمانية، وخسارته تشكيل الحكومة بعد أن ظل في الحكم عشر سنوات متتالية، هذا فضلاً عن تجربتهم الفاشلة بامتياز في مصر، والسودان، وخسارتهم الكبيرة في الانتخابات البرلمانية الليبية التي أجريت عام 2014، ومن ثم فإن استعادة نفوذ التنظيم في تونس بات هو الرهان الوحيد بعد أن سقطت عنه أوراق التوت في العديد من العواصم العربية والمغاربية.

الشواهد تقول بأن رهانات التنظيم فاشلة، وأنه لن يتمكن من التقاط أنفاسه مرة ثانية في تونس، سيما أن الرئيس التونسي قيس سعيد كان واضحاً وقاطعاً في قراراته التي تستند إلى الدستور والقانون والدعم الشعبي، فقبل يومين أصدر قراراً بتكليف نجلاء بودن رمضان، كأول امرأة في تاريخ تونس تترأس الحكومة، وهذه في حد ذاتها رسالة لفتح مسارات ومساحات جديدة للمجال العام التونسي، وأيضاً رسالة إلى هذا التنظيم الذي لم يُمكّن المرأة.

أيضاً ما يؤكد تقليص وتراجع مساحة وجود التنظيم في تونس هو ملفات الفساد الكبيرة التي ينظرها القضاء التونسي والتي سوف تكون فضيحة عالمية كبرى للتنظيم.

في النهاية يمكن القول بأن تونس لن تُسلّم مفاتيحها مرة أخرى لأية قوى غير وطنية، وأن هذه اللحظة فارقة فنحن أمام رئيس قوي وشجاع، قال كلمته في الوقت المناسب إنقاذاً للوطن، وهنا لابد من اصطفاف الشعب التونسي خلف قيادته من أجل الحفاظ على مقدرات الدولة التونسية وحمايتها من الاختطاف مرة ثانية.

* رئيس تحرير مجلة «الأهرام العربي»

طباعة Email