00
إكسبو 2020 دبي اليوم

اكتشاف القيادة الناعمة في عالم ما بعد «كوفيد 19»

يمكن تعريف «القيادة الناعمة» بأنها عملية تحديد الأهداف، والتأثير في الآخرين من خلال الإقناع، وبناء فرق عمل قوية، والتفاوض مع أعضائها من أجل بلوغ حالة يفوز فيها الجميع، واحترام إخفاقات الآخرين، ودعمهم وتحفيزهم بشكل دائم للخروج من حالة الإخفاق، واستنفار طاقاتهم وجهودهم، والاعتراف بإسهاماتهم في تحقيق أهداف المؤسسة وتقدير هذه الإسهامات، ويتوقف نجاح القيادة الناعمة على عقلية المدير وطريقة تفكيره، ومجموعة مهارات القيادة التي يمتلكها، ومجموعة الأدوات المُتاحة له. بات الناس حالياً في كل أنحاء الكرة الأرضية متسمين بالتعجل، وانعدام التسامح، وسرعة الغضب من الآخرين لأسباب تافهة، ويبدو واضحاً لديهم نقص الاحترام تجاه أديان الآخرين، وأوطانهم، وأجناسهم، ولغاتهم، وعرقياتهم، وثقافاتهم، ومجتمعاتهم. وبالإضافة إلى ذلك، فإن التطلعات والتوقعات من جانب كل الأطراف أصحاب المصالح ترتفع على نحو متسارع، فعلى سبيل المثال يطالب الأطفال والديهم بالمزيد من العطاء، وكذلك يطالب التلاميذ معلميهم بالمزيد من الشرح، ويطالب المرؤوسون رؤساءهم بالمزيد من المكافآت، ويطالب التابعون متبوعيهم بالمزيد من التحفيز، وتطالب الشعوب الأمم بالمزيد من الرعاية، ونستطيع اختصار هذا الوضع في أن الناس باتوا متوجهين صوب حقوقهم أكثر من توجههم صوب واجباتهم.

وثمة حاجة في هذا الشأن إلى إجراء تغيير في عقليات البشر. وفي البداية، يتعين أن يتعلموا التسامح والاحترام المتبادل بين بعضهم البعض، ويتعين بعد ذلك توجيه عقلياتهم صوب الواجبات، لا الحقوق. وتظهر مشاعر التعاطف والمُشاركة الوجدانية كحل ناجع لا غنى عنه للمشكلات التي يواجهها القادة مع مرؤوسيهم في أي مكان، كيان أو مؤسسة. يحتاج القادة في هذا السياق إلى تعليم موظفيهم كيف يتمثلون الآخرين ويتخيلون أنفسهم في مواقفهم نفسها كي يُدركوا حجم معاناتهم والصعوبات التي يواجهونها، فيعذرونهم ويساعدونهم في التغلب على معاناتهم، بدلاً من أن يتحاملوا عليهم. ولا تقتصر أهمية التعاطف والمُشاركة الوجدانية على تحسين الأجواء بين الزملاء داخل مكان العمل أو المؤسسة فحسب، بل يتسع نطاق أهميتها ليشمل كل القضايا، بما في ذلك السلام العالمي، والرخاء، والاستقرار، والأمن.

وعندما نتأمل في أساليب القيادة لدى قيادات تاريخية عظيمة مثل بنجامين فرانكلين، المهاتما غاندي، مارتن لوثر كينغ، الأم تريزا، ميخائيل غورباتشوف وغيرهم، يتبين لنا أن ثمة قاسماً مشتركاً بينهم جميعاً، ألا وهو قدرتهم على القيادة الناعمة، لقد كانوا يقودون الناس من خلال الاستفادة من المهارات المُتاحة للجميع، لدى القيادات نفسها ولدى الناس، من أجل تحقيق الفوز للجميع.

تؤكد القيادة الناعمة أهمية الموارد البشرية الثمينة، وتساعد المسؤولين في إدارة العواطف والمشاعر، خصوصاً السلبية منها، كالغرور والأنانية، التي تختلج في نفوس مرؤوسيهم، والسيطرة عليها بنجاح. وتركز القيادة الناعمة على شخصيات الموظفين، ومواقفهم وأساليبهم في التعامل وسلوكياتهم، وتتبنى فكرة أساسية، وهي إشعار الموظفين بأهميتهم وبحيوية أدوارهم داخل المؤسسة. إنها نموذج تكاملي، تشاركي، تفاوضي، وتحفيزي في الإدارة يهدف إلى إدراج جميع الأفراد العاملين بالكيان ضمن منظومة العمل والأدوار الفعلية، حتى يشعر الجميع بأهميته فيتحفز للعمل وللإنتاج، وهنا يتحقق النجاح.

في عدد ليس بالقليل من دول العالم، تكتسب فلسفة «الموظفون أولاً، العملاء ثانياً، والشركاء ثالثاً» زخماً متزايداً، ولكن هذه الفلسفة تحتاج آلية معينة في القيادة، ولا يوجد أفضل من القيادة الناعمة لتطبيقها، حيث يقود المسؤولون الشركات والمؤسسات من خلال شبكة علاقات نجحوا في تكوينها بالإقناع والتفاوض.

القيادة الناعمة ليست نموذجاً إخضاعياً يبدو فيه القائد ضعيفاً أو عاجزاً كالبطة العرجاء، بل على العكس هو نموذج يؤكد فيه القائد على شخصيته ويُبرز قدراته القيادية، ولكن بهدوء، وإقناع، من دون ضجيج، صياح، أوامر، نواهٍ، تهديدات وعقوبات. إنها القيادة بالمهارات، المعارف والقدرات التقنية، التي يتجاوب فيها الموظفون مع توجيهات القيادات بالعمل المعرفي والتقني، وليس اليدوي.

إنها آلية القيادة الهادئة الرزينة التي يحتاجها عالمنا ويتعين عليه اكتشافها في حقبة ما بعد جائحة «كوفيد 19» بكل ما خلفته وراءها من خوف وقلق وتوتر.

* مفكر هندي متخصص في ريادة الأعمال والقيادة الناعمة

طباعة Email