العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    الفخرُ بالآباء والزَّهْوُ بالوطن

    الوفاء النادر للآباء والأسلاف الطيبين هو واحدٌ من أعمق ملامح شخصية صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبيّ، رعاه الله، تراه مبثوثاً مثل اللؤلؤ المنثور في كتبه وأحاديثه وومضاته في سلوكٍ راسخ يعبّر أصدق تعبيرٍ عن شخصيته الأصيلة وأخلاقه العالية لكي يقول للأجيال القادمة: إنّ حياتكم الزاهرة لم تتشكل في الفراغ، بل هي ثمرة صبرٍ طويل وجهادٍ ضخمٍ جليل للآباء والأجداد الذين عشقوا هذه الصحراء واستخرجوا اللؤلؤ من أعمق نقطة في بحرها، وزرعوها لكم بالنخل والورود، وشيّدوا لكم فيها المصانع، وبنوا لكم على ثراها المؤسسات التي تشهد بهمتهم العظيمة وعزيمتهم الماضية، فكونوا خير خلفٍ لخير سلف، ولا تنكصوا على أعقابكم، وتتنكروا لجهود آبائكم الطيبين الأصلاء الذين تركوا هذه الأرض أمانة في أعناقكم، ووديعة تُسألون عنها داخل الضمير النقي للوطن الحبيب، وكل ما يريده سموه من أبناء الوطن الأوفياء هو أن تظل قلوبهم معمورة بالوفاء لآبائهم الكبار، وهو ما عبّر عنه ببلاغة وعاطفة سامية حين افتتح سيرته الذاتية الرائعة (قصتي: 50 قصة في خمسين عاماً) بقوله: «سيقولون بعد زمنٍ طويل: هنا كانوا، هنا عملوا، هنا أنجزوا، هنا وُلدوا، وهنا تربّوا، هنا أحبّوا وأحبّهم الناس».

    في هذا السياق البديع من اهتمامات صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد نشر ومضة قيادية رائعة على حسابه في إنستغرام تلخّص جميع المعاني السابقة وتُجذّر في الروح معنى الامتداد في التاريخ من خلال هذا التواصل العميق بين الآباء والأبناء من خلال مسيرة الإنجاز التي وصلت إليها الإمارات في مسيرتها المظفرة نحو التقدم والإنجاز.

    (نفتخر بالأوّلين اللي هم عاشوا في هذه الأرض وحموها) بهذه النبرة القوية الواثقة يفتتح صاحب السموّ هذه الومضة الجليلة، حيث يؤكد على عمق مشاعر الفخر بالآباء الأوائل الذين عاشوا على هذه الأرض في ظروف استثنائية حين كانت الإمارات صحراء قاحلة يقاسي إنسانها شظف العيش، ويتحدّر العرق على جبينه مثل حبّات الجُمان كي يجمع لقمة العيش لأبنائه، لكنّ ذلك لم يفتّ في عضده ويوهن من عزيمته، بل كان سبباً مُحفّزاً للحفر في التراب واستنباط كنوز الصحراء المخبوء لأبنائها حين اجتمع شمل أبناء الوطن تحت قيادة الباني الكبير الشيخ زايد بن سلطان آل نهيّان، رحمه الله، ومعه فارس دبيّ وشيخها الجليل الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، ليجتمع هذان القلبان الصافيان على محبة الوطن والتصميم على توحيد إماراته وجمع فرسان الوطن في كوكبة متوحدة ملتفة السواعد حول لواء البلاد، فكان هذا الإنجاز الأروع الذي هو دولة الإمارات العربية المتحدة التي طلعت في سماء العروبة مثل شمس النهار الساطعة، واحتلت مكانتها اللائقة بها بين أشقائها الذين يعرفون قدرها، وقدر قادتها الشجعان المنذورين لكل ما يجمع شمل العرب والمسلمين، فكيف لا نفتخر بهؤلاء الرجال العِظام الذين حمَوْا هذه الأرض، وقدّموا أعمارهم رخيصة في سبيل رفعتها وعلوّ مكانتها، فعلى أرواحهم الطيبة كل سكينة وسلام وكلّ رَوْحٍ ورَيحان.

    (كيف قدروا على صعوبة الحياة في هذه المنطقة) لقد تحمّلوا الحياة يا صاحب السموّ لأنهم أحبوا هذه الأرض التي لوّحت وجوههم السمراء، وجعلت منهم رماحاً مسنونةً وسيوفاً مصقولة، وهم يعتلون صهوات الخيل ويغامرون مثل الصقور في قلب الصحراء، والحبّ هو الذي يصنع المستحيل، فتحمّلوا تلك الأيام العصيبة في سبيل مجيء هذه الأيام الخضراء التي تنعم بها الأجيال بكل هذه النعم والخيرات ولكن من غير أن تنسى تلك السنوات العِجاف التي أحدقت بالأرض والوطن قبل انفجار نبع الخيرات، وستظلّ الإمارات بخير وعافية ما دامت وفية للماضي، وتتذكر تلك اللحظات العصيبة التي عاشها الآباء، وتترحّم على أرواحهم النبيلة التي ما تنكرت في يوم من الأيام لتراب الإمارات وشمسها اللاهبة.

    (بالطبع دولة الإمارات أنجزت الكثير، ووصلنا إلى ما وصلنا إليه) فبعد نشأة دولة الإمارات العربية المتحدة انخرط جميع أبنائها في أكبر معركة حضارية هي بحسب تعبير سموه معركة بناء الوطن التي هي معركة الإنسان الكبرى والتي يجب ألا ينشغل عنها بالمعارك الجزئية التافهة، فكان لهذا التركيز أكبر الأثر في تحقيق إنجازات ربما كانت في نظر المراقبين قريبة من المعجزات، لكنها في جوهرها هي ثمرة العزيمة القوية والإرادة الصلبة، والبصيرة الثاقبة والموقف الجازم الحازم الذي لا يعرف التردد ولا يعترف بالمستحيل إلا كوجهة نظر عابرة تتلاشى مثل غيمة الصيف أمام التصميم على الإنجاز، فوصلت دولة الإمارات إلى ما وصلت إليه من الريادة والتقدم والمنافسة على المستوى العالمي، وكان ذلك كله بفضل التصميم والتركيز على الأهداف الجوهرية وعدم الانشغال بالاهتمامات الثانوية والمشكلات الفرعية.

    (لكن الآن نكمل هذه الرحلة بعزيمة أقوى، ورؤية أوضح، في خدمة هذا الوطن وهذا الشعب) إنّ كل ما تقدم من الملامح الإيجابية يجب ألا يكون داعية للكسل والترهل، بل المطلوب هو مواصلة المسيرة ضمن ثنائية الإنجاز العميقة التي تتأسس على: العزيمة والرؤية، فإذا كانت العزيمة بمثابة الوقود والطاقة التي تحرّك فرق العمل فإنّ الرؤية هي خارطة الطريق الآمنة التي تحفظ المسيرة من التخبط وضياع بوصلة الطريق، وهو ما يحرص صاحب السموّ على تأكيده في جميع خططه، فهو حريص جداً على وضوح الطريق من خلال التخطيط الصحيح، وهو أكثر حرصاً على تنفيذ هذه الخطط من خلال فِرق عملٍ تمتلك عزيمة نادرة ورغبة جارفة في العمل والإنجاز، ليكون ذلك كله في سبيل تقديم أرقى مستويات الخدمة لهذا الوطن الحبيب الذي يستحق كل خير وعطاء، ولهذا الشعب الأصيل النبيل الذي لا يدخّر أدنى جهد في سبيل رفعة شان الوطن وإعلاء مجده بين الشعوب، لتظلّ هذه المسيرة الزاهرة للوطن يحدو ركبها قادة نبلاء ويساندهم شعب عريق أصيل لا يتوانى أبداً في تقديم الغالي والنفيس في سبيل مجد هذه البلاد والحفاظ على منجزاتها الكبيرة التي هي عنوانُ كرامتها ومَعْقدُ فخرها بين الأمم والشعوب.

    طباعة Email