العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    «إكسبو دبي» والفائدة تعمّ

    «إكسبو دبي 2020» لم يعد مجرد امتداد لمنصة عرض أبرز الابتكارات التي ترسم معالم عالمنا. صحيح أنه يحافظ على التقليد الذي تم إرساؤه قبل 170 عاماً، حيث شرح وتحليل وتذكّر للتقنيات التي جعلت عالمنا على ما هو عليه اليوم، لكنه أيضاً كشف وتسليط ضوء واستشراف لما سيكون عليه عالمنا غداً وبعد غد. ولأن المسألة ليست بلورة مسحورة أو فنجان قهوة يقرأ الطالع، فإن «إكسبو» منظار ومنطاد ينقلنا إلى عالم الغد لنرى إمكاناته الحقيقية وفرصه الواقعية، وما يمكن أن تكون عليه تفاصيل حياتنا إن بدأنا في التجهيز له اليوم.

    اليوم تجري الاستعدادات على قدم وساق للحدث الكبير. والحقيقة أن المسألة تتعدى تعزيز اقتصاد دبي ودولة الإمارات العربية المتحدة، رغم أهمية الهدف وحيويته. فالفائدة – أو بالأحرى الفوائد – في زمن تقنية المعلومات وسهولة تناقل المعلومات والخبرات أشمل وأعم. هذا الحدث سيصنع الفارق المنتظر والمأمول للمنطقة برمتها، لا سيما وأن العالم يعيش العام الثاني في كنف الوباء. وما تعلمناه في خلال العقدين الماضيين من قواعد عصر تقنية المعلومات واقتصاد المعرفة يخبرنا أن الاستشراف والتخطيط المبني عليه أحد ضمانات النجاح والتميز والريادة.

    والريادة المتحققة من خلال استقطاب أصحاب العقول المبدعة، وتوطين التكنولوجيا، والعمل على تصدير الأنماط الجديدة منها، وإبرام الشراكات الدولية، وتعزيز مهارات الشباب من بوابة التعرف إلى مهن المستقبل وغيرها كثير تتجلى في «إكسبو دبي 2020».

    «إكسبو دبي 2020» ينعقد في عام استنثائي، أو بالأحرى في زمن استثنائي. انقلبت خلال العام ونصف العام الماضيين موازين وتبدلت معايير، لكن تأكدت قدرة الاستشراف على إيجاد البدائل بسرعة وتقليل الخسائر بحنكة.

    حنكة الأفكار تتجلى في قدرتها على التحوّل من فكرة إلى فعل، ومن خيال ملهم إلى واقع مستدام. والتأمّل فيما يمثله «إكسبو دبي 2020» يعكس كل ما سبق. فبدءاً بشعار «تواصل العقول وصنع المستقبل»، ومروراً بمفردات مثل إبداع وابتكار واستدامة وبيئة وتوازن واقتصاد وثقافة وعلم وتكنولوجيا، وانتهاء بعناوين ذات محتوى ملهم مثل «إطلاق العنان للشغف التقني» و«عالم عالي التقنية ومتصل تماماً، سواء كان سيارة ذاتية القيادة أو سفر عبر الفضاء» و«إطلاق القدرات الكامنة ومعرفة سبل إيجاد مستقبل أفضل»، وغيرها كثير يخبرنا «إكسبو دبي 2020» أننا أمام منظومة مستقبلية وليس مجرد حدث يستمر أياماً ثم تنفضّ الأمور لتعود إلى سابق عهدها.

    وكما عهدنا من الإمارات، فإن كل حدث ملهم لا يخلو من الأصول الثقافية والمرجعية ذات الهوية. فالبحث في شؤون المستقبل واستشراف إمكاناته والتسلّح بمهاراته أمور لا تستوي دون فخر بالهوية وصون للماضي وحفاظ على الثقافة.

    ثقافة الحدث لا تقل أهمية عن ثقله الاقتصادي والسياسي والابتكاري والعلمي والعملي. فالحدث قائم على التعارف والتبادل والتشارك والتحاور، وهي قواعد نأمل أن تكون استهلالة إيجابية لتعافي العالم. صحيح أن الوباء ما زال معنا ونحن معه، لكن التعايش عبر الاحتراز والتلقيح والابتكار أملاً في قضاء كلي على الفيروس وتحوراته يتكلل بحدث ذي قلب وقالب «إكسبو دبي 2020». فالفائدة لن تقف عند حدود الإمارات، بل ستمتد لتشمل المنطقة العربية والعالم بأسره.

    حتى تلك المليارات من البشر التي لن تتمكن من الحضور الفعلي للحدث بين أكتوبر 2021 ومارس 2022، ستتابع وتتعلم وتشارك وتستفيد عبر المتابعات. ولعل مبدأ «الاستدامة» الذي يهيمن على فعاليات الحدث قادر على جمع الكل وتوحيد الصفوف رغم الفروق والاختلافات والخلافات. فإذا كان «كوفيد 19» ترجمة فعلية لمقولة «إما أن ننجو جميعاً أو نغرق جميعاً»، فإن الكوكب بعد عام ونصف العام من الوباء أمام اختبار الاستدامة. الضامن الوحيد لمستقبلنا جميعاً على كوكب الأرض هو الاستدامة، وهو الضامن الذي يتحقق عن طريق التكاتف والتشارك والقدرة على تطوير الخطوات الصغيرة لتصبح حركات عالمية إيجابية قادرة على حماية المجتمعات ومن فيها. ومكونات الاستدامة هي مكونات المستقبل: تكنولوجيا وتنوّع بيئي وابتكار وتعليم مواكب للمستقبل وسوق عمل وتشارك وتواصل وتناغم مع البيئة الطبيعية والحفاظ عليها وكذلك مع البيئة التقنية وتطويرها وتحديثها وإنسانية تأخذ الجميع في الحسبان.

    مرت 170 عاماً منذ خطت معارض «إكسبو» خطوتها الأولى. ومرت عقود كثيرة منذ ذُهِل الناس من هذا الاختراع العجيب الذي ينقل الصوت بين متحادثين في مكانين مختلفين واسمه «هاتف»، وهذا الابتكار الرهيب الذي يحلل المعلومات واسمه «حاسوب ميكانيكي»، وتلك الأطعمة المثيرة من صلصة طماطم تضاف إلى الطعام المطهو وأقماع الآيس كريم العجيبة. وما هي إلا أيام، ويستقبل العالم واقعياً وافتراضياً «إكسبو» جديداً بمنظور فريد ورؤى تعكس تواصل العقول وصناعة المستقبل. المأمول من الحدث الملهم كثير وكبير. لماذا؟ لأنه يتعدى حدود الدول والحكومات، ويصل إلى كل فرد يؤمن بغد يبدأ اليوم.

    *كاتبة صحافية مصرية

    طباعة Email