العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    المصالحة.. زواج على ورقة طلاق

    لم يكن أمام الإدارة المصرية من طرق سالكة، للبحث عن فرصة سانحة أخرى للعودة إلى جمع الفصائل الفلسطينية للتفاوض، لإنهاء الانقسام فيما بينها، سوى الإعلان عن تأجيل الحوار، ولم يتوفر حتى الظرف الملائم لتحديد موعده.

    أكثر من كانوا يأملون بإمكانية التوصل لحد أدنى مشترك بين الفصائل الفلسطينية، يبشر بجدول زمني لإتمام المصالحة، ويستثمر النتائج التي أعادت القضية الفلسطينية إلى واجهة المشهد الدولي، بعد الحرب الأخيرة، التي انتهت بتدمير غزة، أكثر هؤلاء، كان يتوقع فشل حوار القاهرة. والأسباب أكثر من أن تحصى!

    جاءت «حماس» إلى القاهرة بروح «المنتصر» الذي يملي الشروط ولا يقبل بتقديم تنازلات، وهو الذي يحدد من هو الشرعي ومن غير الشرعي في الساحة الفلسطينية. من بين تلك الشروط، أن يرأس محمود عباس رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية وفد «فتح» في جلسات التفاوض، لكي تتساوى الرؤوس. أو ليس إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي للحركة هو من يرأس وفد «حماس»؟

    لم يفلح التفسير الذي تم تقديمه لغياب «أبو مازن» عن التمثيل بتلك الصفة، وهو أنه رئيس لكل الفلسطينيين وليس لفتح فقط، في الإقناع بالقبول به، لتضيف «حماس» بذلك عقبة جديدة في سلسلة العراقيل، التي سبق أن وضعتها منذ انشقاقها عن السلطة الوطنية، لإفشال جولات المصالحة التي رعتها الإدارة المصرية منذ العام 2005.

    فحركة «حماس» تدرك أن التوصل إلى مصالحة، يقتضي إنهاء الانشقاق الذي أدى إلى سيطرتها على غزة، وتفكيك الكيان الذي شيدته عام 2007، عقب حصولها على نسبة عالية من المقاعد في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني التي شاركت بها للمرة الأولى عام 2006، رغم رفضها اتفاقات أوسلو، التي انطوت على اعتراف متبادل بين كل من منظمة التحرير وإسرائيل، وأقيمت بموجبها السلطة الوطنية الفلسطينية في رام الله.

    ولأن «حماس» حركة تشكل الفرع الفلسطيني لجماعة الإخوان، وتحظى بدعم إقليمي من طهران والدوحة، ويقدم وجودها ذريعة قوية لإسرائيل، لاختزال القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني تسعى بالتسوية السياسية، لبناء دولة فلسطينية مستقلة على حدود يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، إلى قضية إنسانية، ترمم آثار اعتداءاتها المتكررة عليها، فإن التخلي عن ذلك الموقع للذهاب إلى المصالحة يشبه أسطورة الغول والعنقاء والخل والوفي.

    هذا فضلاً عن أن «حماس» سهّلت بانشقاقها المهمة على إسرائيل، وهي تجري معها مفاوضات سرية لاتفاقات على التهدئة، وتدعو علناً لرفض التسويات السياسية، ويطالب خطابها الدعائي بتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، لكي تبقى غزة جزءاً من الأهداف التي تنشدها «حماس» مع جماعة الإخوان، ومن يتلاعبون بهما في الساحة الدولية للدفاع عن مصالحهم!

    اشترطت «حماس» أيضاً الفصل بين نتائج الحوار، وبين إعمار غزة، واعترضت على أن تمنح السلطة الوطنية في رام الله أية مهام في تلك القضية، برغم ربط الدول الداعمة لإعمار غزة، بين تقديم مساعدتها، وبين تسليمها للسلطة الوطنية الفلسطينية. وطالبت كذلك بإعادة هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية، كخطوة أولى، يتلوها الحوار لإنهاء الانقسام، وإعادة الوحدة بين الضفة والقطاع، بدلاً من العكس.

    وجاءت الشروط التي حملتها حركة «فتح» إلى القاهرة لتوسع «من الخرق على الراقع» كما يقول العرب، بما فاقم الهوة بين الطرفين المدعوين للحوار والمصالحة. فسلطة رام الله ترفض العودة إلى المسار الانتخابي، ولا تريد مناقشة إلغاء الانتخابات التشريعية، بل الملابسات التي تراكمت قبل إلغائها. كما هي تطالب بحصر عملية إعادة الإعمار بيد السلطة الوطنية الفلسطينية دون غيرها.

    وفي تلك الأجواء التي تتباين فيها وجهات النظر بين حركتي «فتح» و«حماس»، ويصل الخلاف بينهما إلى حد العداء، كان من المتوقع أن تنتكس الجهود المصرية لحث الطرفين على انتهاز فرصة اللحظة، قبل أن تتبدد، ويخبو من جديد الاهتمام الدولي بحل الدولتين.

    أدركت الإدارة المصرية،أن اتفاقاً على قواعد لإنهاء الانقسام الفلسطيني في أجواء تتسم بتبادل الشكوك، وتحفل بانعدام الثقة بين أطرافه، لن يعدو أن يكون زواجاً على ورقة طلاق، فألغت الاجتماع قبل أن تبدأ جلساته.. وليكن الله في عون الشعب الفلسطيني!

    * رئيسة تحرير جريدة «الأهالي» المصرية

     

    طباعة Email