العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    مهارات المرونة في زمن الوباء

    استيقظت ذات صباح، وشكة بسيطة في حلقي، مع سيلان في الأنف واحمرار في العينين. في زمن ما قبل الوباء، كان هذا يعني ليموناً مع عسل نحل، بدلاً من قهوة الصباح، مع رفع شعار العمل كالمعتاد «Business As Usual». لكن هذه المرة، كانت أول «دور برد» في زمن «كورونا». لذلك، توقفت الحياة أمامي لحظات. حبست نفسي في غرفة، ومعي هاتفي المحمول. رحلة البحث عن أعراض «كورونا»، تتجاهل تماماً معرفتي الصميمة بها، لكثرة ما سألت وكتبت وقرأت وسمعت عنها من مصادر صحية عديدة. حمدت الله كثيراً، أن أعراض ضيق النفس وألم العضلات والغثيان والقشعريرة وارتفاع درجة الحرارة غائبة. لكن يطالعني السطر التالي: لكن يجب الأخذ في الاعتبار، أن الأعراض تختلف من شخص لآخر، واقتصارها على عرضين أو ثلاثة فقط، لا يعني بأي حال من الأحوال، أنها «دور برد» وليست «كوفيد 19».

    أعدت الدق عبر العلامة النابهة النابغة، بحثاً عن الفرق بين أعراض البرد العادي، وأعراض الإصابة بـ «كوفيد 19». قفزت أمامي مئات المواقع المفنّدة للفروق. اخترت أكثرها مصداقية، بحسب السمعة والخلفية المهنية، وبعد قراءة وبحث وتمحيص، خرجت بنتيجة مفادها أن التفرقة بين البرد و«كورونا» شبه مستحيلة.

    شبه الاستحالة تحول إلى استحالة، بموقع ثالث ذي مصداقية أيضاً، يؤكد ويكرر أن الاختبارات كذلك ليست حاسمة! وحيث إنني حصلت على جرعتي اللقاح، فقد انتقلت من البحث عن الاختبارات، إلى التأكّد من أن الحاصلين على اللقاح لا يصابون بالفيروس، فوجدت أن اللقاح يقي ويحمي، ولكن ليس بنسبة مئة في المئة، بل إن حالات وفاة نادرة جداً، حدثت لحاصلين على اللقاح.

    وبين خوف ممّا قد أكون مقبلة عليه، وهلع ممن قد أكون قد نقلت أو سأنقل لهم العدوى من أهل البيت، انتظرت حتى انصرف الجميع إلى أعمالهم، وتسللت إلى الخارج، لأنسّق إجراءات عزلي ذاتياً. وضمن الإجراءات، كان إلغاء كل الارتباطات الخاصة بالعمل والأهل والأصدقاء، وإنجاز الأوراق الرسمية الخاصة بوالدتي، التي رحلت قبل أسابيع. المكالمات الهاتفية التي أجريتها، بهدف «تأجيل» الارتباطات، جعلتني أستيقظ على واقع أكثر مرارة. السؤال المكرر في كل مكالمة: نؤجّل الموعد لأي تاريخ؟! شعرت بالعجز وانعدام الحيلة. فأنا غير قادرة على تحديد يوم بعينه للمواعيد المؤجّلة. فحتى لو كنت أشعر بأنني قادرة على الخروج وإنجاز الأعمال، فمن يدري، ربما أكون ناقلة للعدوى لآخرين، قد يدفعون حياتهم ثمناً للإصابة بالفيروس!

    فيروس غير مرئي، بل إن وجوده من عدمه غير مؤكّد، قلب تفاصيل حياتي بين ليلة وضحاها، رأساً على عقب. لكن لحسن الحظ، أن العجز عن اتخاذ قرارات، يخلّص الإنسان من عبء القلق والضغط النفسي المتصلين بالتخطيط.

    في زمن ما قبل «كورونا»، عكس التخطيط كان عشوائية. لكن في زمن الوباء، يصير التخطيط أمراً بالغ الصعوبة. وحتى في حال تمّ التخطيط، فإن التنفيذ يظل رهن قرارات الوباء وتحوّراته وانتشاره.

    مطالعة أخبار العالم في ظل الوباء، هدّأت من روعي كثيراً. إغلاق كامل في سيدني، بعد انتشار المتحورة «دلتا». بريطانيا تضيف دولاً جديدة إلى القائمة الحمراء، وتهدم آمال انتقال دول أخرى من القائمة البرتقالية إلى الخضراء. فرنسا تضم روسيا وناميبيا وسيشيل إلى القائمة الحمراء. البرلمان الأوروبي يقر جواز سفر «كورونا». أفريقيا تشهد موجة وبائية جديدة، في ظل نقص حاد في اللقاحات. إسرائيل تعود للكمامات مجدداً. هذه دول كبرى، خططت ودبّرت لإعادة فتح، واستئناف للسياحة والسفر، ووضعت خططاً ليستعيد اقتصادها عافيته، لكن رياح المتحورات وأهواء الفيروس، ضرب بها عرض الحائط.

    حتى اعتماد منظمة الصحة العالمية نظام تسمية جديد لسلالات «كورونا»، يدفعنا إلى استنتاج مفاده أن «كورونا» وآثارها، وجدت لتبقى معنا لأجل غير مسمى. لم يعد كافياً أن نتحدث عن وباء معروف، بطله واحد اسمه «كوفيد 19»، ونلقبه «كورونا»، بل رأت المنظمة الأممية، أن الأمر يستحق أن نعتمد نظاماً لتسمية السلالات. فالسلالة التي ظهرت في بريطانيا للمرة الأولى اسمها «ألفا»، والتي ظهرت في جنوب أفريقيا اسمها «بيتا»، وتلك التي ظهرت في الهند وأغضبت أهلها لتسميتها بالسلالة الهندية، أصبح اسمها «دلتا». اعتماد الأبجدية اليونانية لتسمية السلالات، أوفى بغرض إخبارنا أن الوباء باقٍ، وأن انقلاب حياتنا رأساً على عقب مستمر، وأن الأحرف الـ 24 في هذه الأبجدية، إن نفدت مع تكاثر السلالات، فربما نلجأ إلى الأبجدية الفرعونية أو الصينية أو الفينيقية.

    غاية القول، إن أبرز ما في زمن الوباء، هو الحاجة إلى تعلم وإتقان مهارات المرونة في تغيير الخطط، وتعديل المسارات، والتحلّي بشجاعة تأجيل المواعيد «لأجل غير مسمى».

    * كاتبة صحافية مصرية

    طباعة Email