العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    ماذا لو لم تحدث 30 يونيو؟

    قبل أيام قليلة جمعني لقاء مع سفير إحدى الدول العربية في القاهرة، تجاذبنا أطراف الحديث حول القضايا والملفات التي تموج بها المنطقة، صمت صديقي الدبلوماسي، ثم باغتني بسؤال: وسط كل هذه التحديات التي تمر بها المنطقة، ويئن منها الإقليم، وبمناسبة مرور ثمانية أعوام على ثورة 30 يونيو.. ماذا كان الوضع لو لم تحدث هذه الثورة؟

    قلت له: ما كنا نجلس معاً في تلك اللحظة، ثم واصلت حديثي معه: «نحن أمة ترفض الإقامة في الظلام، أمة ضد عقد الصفقات مع الدمويين، أمة قادمة من قاموس الحضارة، والتنوير والثقافة، أمة تقرر مصيرها وفق هويتها وسيادتها، أمة تؤمن بقرارها من مؤسساتها، أمة ترفض حكم المرشد، وتتمرد على مبدأ «السمع والطاعة».

    واصلت الإجابة عن سؤاله لأستكمل: ثورة 30 يونيو جاءت في التوقيت واللحظة المناسبين، خرج الشعب ليعيد الروح إلى هذه الأوطان التي صارت لمدة عام حبيسة جماعة إرهابية، كانت على بعد أمتار من طمس هويتها، وتمزيق وطنيتها، جماعة عاثت في الأرض فساداً، جماعة لا ترى سوى مرشدها وقادتها، وبيزنسها، ودورها الوظيفي للتخريب والفوضى، جماعة قلبت موازين العدالة، قتلت، وأحرقت، ومارست كل صنوف العنف والإرهاب، جماعة كانت تهدف إلى تعطيل العقول، وتحويلها إلى قوالب جامدة، جماعة جلست لمدة عام على كرسي حكم دولة بحجم مصر، ولا تعرف قيمتها، ولا تقدّر شعبها، بل إنها اعتبرتها فرصة للتوسّع والهيمنة على المنطقة بأكملها، أخرجت عتاة الإرهاب «قتلة الرئيس السادات» من السجون، وفتحت الحدود لاستضافة قادة كبرى التنظيمات والجماعات المتطرفة، تآمروا، وعقدوا الصفقات مع مختبرات التآمر والفوضى، خططوا بليل، وقتلوا في وضح النهار. تبنّوا مشروع التمزيق والتقسيم، كانوا جاهزين لتسليم هذه الأمة بعلم الوصول إلى أجهزة الاستخبارات المعادية لاستقرار المنطقة.

    أخذت رشفة من فنجان القهوة، ثم واصلت حديثي مع صديقي الدبلوماسي: «يا سيادة السفير.. أدعوك للعودة بالذاكرة إلى هذا العام الظلامي من حكم هذه الجماعة الإرهابية، ومعها استرجع شكل خريطة العالم العربي، وأطلق خيالك كما شئت واسأل نفسك: ماذا سيكون شكلها لو ظل هؤلاء في الحكم؟

    ماذا كانت ستفعل كل هذه التنظيمات والميليشيات الإرهابية بمقدرات هذه الدول؟ وماذا كان شكل المخطّط الذي كان حبيس أدراج المرشد؟ ماذا.... وماذا؟

    لم أنتظر رد صديقي الدبلوماسي، لكن سياق الحديث واللحظة، دفعني لأن أستكمل: من المؤكد أن أجيالاً كانت ستفقد هويتها، وقوانين كانت ستتعطل، وأبواباً واسعة كانت ستُفتح أمام الغزو الخارجي، وخرائط كانت ستتمزق، وحضارات كانت ستهوي، ومشروعات التخريب، كانت ستجد طريقها للتطبيق الفعلي، بل قبل ذلك وبعده كانت «العصمة» في المنطقة بأكملها ستؤول إلى المرشد وإلى هذه الجماعة الإرهابية، فضلاً عن أن فلسفتهم في الحكم لن ترأف بشعب، ولن تبني مؤسسات دولة، بل إن هوية هذه الأمة، ربما باتت قيد تصرّف التنظيم الدولي، المكلف بمهمة هدم المسار الوطني.

    كل الأزمات والتحديات التي تمر بها هذه الأمة الآن، ولدت من رحم سياسة هذه الجماعة الإرهابية.

    في فلسطين، يكفي القول بأن المعزول مرسي، خاطب شيمون بيريز بلقب «عزيزي»، في رسالة تؤكد متاجرة الجماعة بالشعارات.

    في ليبيا لا يزال الشعب الليبي يدفع الثمن، الميليشيات والمرتزقة يهددون ويروّعون ويمارسون أعتى صنوف الإرهاب، والتخريب والفوضى وهدم المؤسسات.

    في سوريا والعراق، زرعوا «الدواعش» وفصائلهم لتدمير مفهوم الدولة الوطنية، وتمزيق ما تبقى، هدموا الاقتصاد وجوّعوا الشعوب، وباتوا يرسمون خرائط جديدة بلون الدماء.

    في السودان حاولوا انتزاع عمقها الوطني من قلب العروبة، وظنوا أنها دانت لهم، يسيطرون عليها كيفما شاؤوا، أما لو تحدثنا عن التحدي الأخطر المتعلق بسد إثيوبيا، فإننا وبكل تأكيد نقول: حكم هذه الجماعة، ناهيك عن قوائم شهداء الوطنية عبر العواصم العربية، الذين اغتالتهم أيادي هذه الجماعة.

    ثورة 30 يونيو، ثورة شعبية، ثورة أمة أدركت أن الكيل قد فاض، وأن المصير صار مهدداً، وأن المنطقة بأكملها باتت قاب قوسين أو أدنى، وأنه لا بد من رفض حكم المرشد، وأن العمق الحضاري والتنويري لا يقبل الصمت، وأن الحياد في هذه اللحظة خيانة لن يرحمها التاريخ، وهو لن يقبله المستقبل، وميراث جغرافي لن تتنازل عنه أجيال هذه الأمة، وأن هذا الهجوم الكاسح، الذي لعبت فيه الجماعة دوراً وظيفياً أسود، لا بد أن تعادله «هجمة مرتدة» تعيد ترتيب الأوراق، بتوقيع شعب هذه الأمة ومؤسساتها الوطنية، هجمة تكشف لأطراف التآمر أنهم مكشوفون، وأنهم لن يستطيعوا النيل من مقدّرات هذه الأمة مهما كانت التكلفة، خرج الشعب وقال كلمته، أزاح حكم المرشد، استعاد وطنه، وحافظ على مقدّراته، وأعطى درساً للعالم، بل إنه أسس لمفهوم استراتيجي يقول: إن مختبرات الفوضى، ومجالس التفكير التخريبية، إنما هي أوهن من بيت العنكبوت، سرعان ما تنهار أمام عواصف الوطنية، وإرادة الشعوب.

    بدأت ثورة 30 يونيو، لكنها لم تنته، ستواصل بأدبياتها ومفهومها ورسالتها، مشروع الخلاص من القوى الظلامية، وسوف تستكمل بناء ما تم هدمه، وأنها لن تتنازل عن بناء المؤسسات الوطنية وترسيخ أركان العواصم العربية، ولن تتوقف إلى آخر لحظة في الحفاظ على خرائط المنطقة، فالملايين التي خرجت دفاعاً عن وجودها، أحرقت وإلى الأبد قاموس «جين شارب»، صاحب نظريات التخريب والاختراق.

    وأخيراً وسط كل هذه التداعيات التي خلّفتها تجربة حكم الجماعة الإرهابية، فلو لم تحدث ثورة 30 يونيو، لكانت المنطقة العربية أشبه بغرفة أطفئت بها الأنوار، وظلت الشعوب في الظلام.

     

    *رئيس تحرير «الأهرام العربي»

    طباعة Email