العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    جائحة فيروسية وأخرى إخوانية

    طوبى لكل عقل وقلب ويد مستمرة قدماً في البناء والعمل من أجل الشعوب والأوطان في هذا الزمن الصعب. هذا الزمن الصعب عالمياً ما زال في قبضة وباء، يأبى إلا أن يتحور ويتنكر ويتموه ليعاود قفزاته العنترية، مرة في تركيبة جينية مغايرة، وأخرى في موجة هجومية غادرة. وإقليمياً، وبكل تأكيد ودون أدنى شك، فإن الإقليم في قبضة حزمة من الفيروسات أخطر ما فيها التغييبية، التي تهاجم أصحاب المناعة الفكرية الضعيفة فتصيبهم في مقتل.

    القتل المضاعف يتربص بالعديد من الدول في إقليمنا. فبالإضافة إلى الفيروس الذي ما زال العالم يتحسس طريقه في الوقاية من شروره وتقليص هوامش خسائره، ما زالت قوى الشر والظلام والفتنة ترفع شعار «العمل كالمعتاد» Business as Usual. بيزنيس تغييب العقول ونشر الفتنة وتجذير الاختلاف والاقتتال فكرة، والفكرة لا تموت بفيروس أو وباء، بل تجد فيهما أرضاً خصبة للإبداع في الشر والابتكار في الخراب. ولأن الأفكار لا تعرقلها حدود أو تدقّق في أوراقها الثبوتية جهات جمركية أو قوات أمنية، فإن أفكار جماعة «الإخوان» التي تُرِكت ترتع على مدار نحو تسعة عقود لا تزال تتخذ من أدمغة وجيوب البعض عششاً وأوكاراً.

    من ليبيا إلى اليمن ومنه إلى سوريا والعراق ودول أخرى في الإقليم، بعضها يتستر على أصحاب العقول والبعض الآخر يحتضن أصحاب الجيوب، مازال حكامنا وشعوبنا في حالة استنفار ليس فقط لمواجهة أفكار وتحركات وألاعيب ومخططات، باتت سمة لصيقة بالجماعة وأبناء عمومها، بل للتعامل مع تطورات الجائحة وما نجم عنها من آثار اقتصادية واجتماعية أبعد ما تكون عن التعافي الكامل.

    لذلك فإن متابعة ما يجري في دولنا من «عمل كالمعتاد» أيضاً ولكن لصالح الشعوب والمنطقة، وليس لصالح جماعة هدفها الخراب، إنما هو مدعاة للفخر الشديد. وحين تكون دول مثل مصر والإمارات والسعودية تعي جيداً أن فتناً تحاك على مرمى حجر، وأن دولاً عربية شقيقة ما زالت مرتعاً لجماعات متعاركة مسلحة أشبه بعرائس «الماريونيت» وخيوطها في قبضة قوى وكيانات إقليمية ودولية، وأن المعارك لم تعد قاصرة على الأرض فقط بل هي ممتدة ومشتعلة على أثير العنكبوت كذلك، وبالإضافة إلى كل ما سبق فهي تعي إنها في مواجهة مباشرة مع فيروس لا يرحم، ورغم كل ما سبق ماضية قدماً في طريق التنمية والبناء، فإنها تكون نماذج تحتذى.

    وعلى الرغم من الاختلاف في محتوى البناء وتفاصيل التنمية في كل من الدول الثلاث، حيث اختلاف الظروف والقدرات والاحتياجات والأولويات ومجريات الأمور في السنوات القليلة الماضية، إلا أنها تتشابه إلى درجة التطابق في مصدر ونوعية التربصات والغاية منها. وجماعة الإخوان ومريدوها ومتبعوها والمنتفعون منها والمدرجة أسماؤهم على كشوف رواتبها أو كشوف من يموّلها ما زالوا يظهرون بين الحين والآخر ليتفتأوا على حدث هنا أو يقتاتوا على شائعة هناك، وغاية مناهم وأملهم أن ينجح إسفين الفتنة في النفاذ إلى العلاقات لعلهم يجدون منفذاً يعاودون التسلل منه.

    محاولات الجماعة المستميتة للبقاء في المشهد الليبي، ولجوئها إلى بلطجة الميليشيات، تغيير الاسم لـ«الإحياء والتوحيد»، تحالف الإخوان والحوثيين في اليمن في تحالف معتبر للإرهاب، علاقات ومصالح مشتركة بين الإخوان وإيران، حيث العداء في العلن وألفة ومودة في الخفاء، دعم إخواني ومباركة للدور التركي في سوريا والذي وصل إلى درجة احتلال مناطق وتغيير تركيبتها الديموغرافية والحياتية وتتريكها، ومحاولات مستميتة للعودة إلى الشارع والسيطرة على أهوائه وهواه في مصر كل ما سبق ويزيد تدور رحاه في المنطقة. وكعادة الجماعة وأبناء عمومها، فإن الصيد في المياه العكرة بل والصافية من أبرز هواياتها.

    لذلك، وعلى الرغم من ظروف الوباء فإنها تعمل على قدم وساق ليس فقط للاستمرار في دسائسها رغم أنف الوباء، بل في الاستفادة من الوباء لبث قبلة الحياة في تنظيمها. ويكفي ما كشف عنه مركز بحثي قبل أسابيع عن استغلال الجماعة للوباء لترويج إيديولوجيتها، وإيجاد مراكز جديدة لهم في أوروبا وتنمية مواردهم عبر التبرعات بدعوى مساعدة المتضررين من المرض. الأموال بالطبع تستخدم في أغراض أخرى تماماً، حيث تشويه أنظمة الحكم في الدول التي يناصبونها العداء والتي لفظتهم، وتجنيد أذرع من دون أدمغة لتنضم للميليشيات لا سيما الإلكترونية لصناعة الترند وتلفيق الأكاذيب ونشر الشائعات إلى آخر قائمة الأنشطة المعروفة.

    لذلك، فإن القدرة على مواجهة أكثر من جائحة، حيث الفيروس في كفة، والجوائح الأيديولوجية والسياسية والانتهازية والإرهابية في كفة أخرى، تعني نجاحاً بامتياز. نطالع أخبار مصر والإمارات والسعودية ودولاً أخرى في المنطقة، فنجد أن يداً تبني وتصلح ما فسد أو تهالك، والأخرى تدرأ أخطاراً لا تكل أو تمل عن محاولات دس الفتن وتخريب العلاقات.

    *كاتبة صحافية مصرية

    طباعة Email