التخطيط وعلم البدائل في زمن الجائحة

ما زلنا نغترف من مَعين «كورونا» وجائحته المستمرة في إبهارنا. ويبدو أن 15 شهراً لم تكن مدة كافية لينتهي الفيروس من تلقيننا الدروس. عملنا من المنزل، وتعلمنا عبر الشاشات، وتعلمنا إعادة ترتيب أولويات التسوّق، وأعدنا جانباً من أواصر الترابط الأسري المفقود، ونظّمنا حياتنا في حدود المتاح والمسموح به، وبتنا نغسل أيدينا بسبب ومن دون، وأصبحت المطهّرات والكمامات تستنفد جزءاً لا يستهان به من ميزانياتنا وأشياء أخرى كثيرة، وعرفنا قيمة ما كنا نعتبره أموراً مفروغاً منها من نعم ومميّزات ومنح.

لكن في الوقت نفسه، فقدنا الكثير. أفدح المفقودات أحباب وأصدقاء رحلوا نتيجة الإصابة. وبينما الجائحة تتهادى في عامها الثاني، نكتشف بين الحين والآخر مفقودة جديدة. وما أن همّ العالم بأن يتنفس الصعداء، حيث أعداد من تلقوا جرعات اللقاح تزيد، وتواتر تواريخ إعادة فتح أبواب الحياة الموصدة في مدن عدة، والإعلان عن فتح أبواب السياحة والسفر فتحاً حذراً، إذ بدولة مثل بريطانيا تصدر قرارات جذرية تقلب أوضاع السفر رأساً على عقب، حيث سلالة «دلتا» (المعروفة إعلامياً بالسلالة الهندية تصبح الأكثر والأوسع انتشاراً هناك.

أضافت بريطانيا دولاً إلى القائمة الحمراء التي تتطلب خضوع القادمين منها – بمن فيهم البريطانيون - إلى إجراءات شبه تعجيزية، ونقلت دولاً أخرى من القائمة الخضراء الآمنة إلى البرتقالية المتطلّبة قدراً أكبر من الاحترازات والإجراءات.

وحيث إن السفر ليس بالضرورة لغرض السياحة والترفيه والإجازة، فإن الدرس الأحدث المستفاد من مجموعة القرارات التي اتخذتها بريطانيا قبل أيام هو أن التخطيط بات رفاهية لا نملكها. أعرف نحو خمسة أشخاص مختلفين من أصول مصرية وجنسية بريطانية انقلبت حياتهم رأساً على عقب بقرار بريطانيا الأخير إضافة سبع دول جديدة إلى قائمتها الحمراء المتخمة بـ 50 دولة.

أحدهم كان في مصر وخضع لعملية جراحية قبل أيام وكان ينوي قضاء فترة النقاهة قبل العودة في نهاية الشهر الجاري. وآخر جاء إلى مصر لرؤية والدته المريضة مرضاً شديداً، وكان ينوي قضاء أسبوعين معها خوفاً من أن تكون فرصته الأخيرة معها. والثلاثة الآخرون لهم قصص مشابهة ومواعيد عودة جميعها بعد دخول مصر ضمن دول القائمة الحمراء يوم 8 الجاري.

غاية القول، هو أن الجائحة سلبت منا منحة ونعمة التخطيط لحياتنا. بحت أصوات العالمين ببواطن أمور التقدم والتميّز، وهم يخبروننا أن التخطيط هو الوجه الآخر للاستفادة المثلى من الوقت والجهد والموارد، وأنه ضمان رفع الكفاءة وتقليل المخاطر، وكيف أنه يمنحنا رؤية استشرافية مبنية على معطيات واقعية وتوقّعات علمية. واليوم نجد أنفسنا في مواجهة غير متوقعة مع أسلوب حياة غريب وجديد. فلا التخطيط مضمون النتائج، ولا انعدام التخطيط مأمون العواقب.

الفيروس الصغير وضع ألفي عام من أبحاث وقراءات واجتهادات فلاسفة «علم الغائية» في مهب الريح. تأملات ونظريات فلسفية ظلت تدور في إطار قيامنا بأفعال وأنشطة وتفاصيل طيلة حياتنا على مدار ساعات يقظتنا من أجل تحقيق غايات محددة، ومن ثم كلمة «الغائية».

اليوم، وفي ظل الجائحة، لم يعد مستغرباً أن يجتهد طالب الثانوية العامة ليحصل على درجات تمكّنه من الالتحاق بجامعة في بلد آخر، وحين ينجح بالفعل يفاجأ أن الجامعة أغلقت أبوابها أو البلد المراد السفر إليه نفسه أغلق بواباته. تخلد إلى النوم مساء وأنت تنوي شراء احتياجات البيت أثناء عودتك من عملك مساءً، فتستيقظ على خبر إغلاق محلات السوبرماركت ظهراً.

تنجح وكالات السفر والسياحة في بيع عطلات في ضوء الإعلان عن إعادة الفتح في بلد ما، لكن تفاجأ البلد بسلالة من الفيروس تدفعها لمزيد من الإغلاق. حتى المؤسسات المالية التي وضعت خططاً بديلة في زمن «كورونا»، وجدت أنها في حاجة إلى وضع خطط بديلة للخطط البديلة حتى أصبحت حبيسة بدائل لا تنتهي.

نهاية زمن الجائحة في علم الغيب. ونجاح الكوكب إلى حد كبير في التحول إلى البدائل لم يعد يعني نجاح البدائل، ما يعني نجاح البشر في اختراق مجال جديد ألا وهو «علم البدائل».

بمعنى آخر، اللجوء إلى التعليم الافتراضي بديلاً عن الذهاب إلى المدرسة أو الجامعة مجرد وسيلة مؤقتة لإنقاذ عام دراسي، وليس لإرساء دعائم التعليم الجديد. والعمل من البيت لا يعدو كونه إنقاذ ما يمكن إنقاذه لإنجاز الأعمال بدلاً من انهيارها. ومساعدة أصحاب المنشآت السياحية بتقديم دعم مالي حكومي أو تخفيف أعباء ضريبية ليست إلا مسكّنات وقتية.

من الجيد جداً أن نكون قادرين على التأقلم والتعوّد، لكن هذا ينطبق على التأقلم على وضع جديد معروف أنه سيدوم. أما أن يكون وضعاً متأرجحاً قد يدوم يوماً أو عاماً، فهذا يحتاج إلى مجهود ذهني مضاعف وانتقال من علم الغائية إلى علم البدائل.

 

 

طباعة Email
#