اليابان تشبهنا كثيراً

يقول المؤرخون إن معركة «سيكي قهارا»، التي راح ضحيتها الآلاف من مقاتلي الساموراي، هي التي رسمت وجه اليابان الحديث، والحقيقة أنه لم يكن للساموراي ولا لسيوفهم ذلك الأثر الكبير في نهضة اليابان، فاليابان في ذلك الوقت، كانت تستورد كل شيء من الصين والدول المجاورة، البضائع والعلوم والفلسفة، حتى اللغة اليابانية، كُتبت بالأحرف الصينية، والقليل من الكورية، هذا الاستيراد المفرط للبضائع والعلوم، إضافةً إلى استخدام المثقفين للغة الصينية في المحاضرات والبحوث، جعل طائفة من اليابانيين تفقد ثقتها في كل ما هو ياباني.

وعندما أراد العالم الياباني «تشن سي»، أن يكتب بحثاً، قيل له: إن البحث العلمي من خصائص أهل الصين الحكماء، ولا حاجة لليابانيين بذلك، تماماً كما يُحبط بعض العرب بعضاً في زماننا هذا.

ولأن اللغة هي روح الهوية، وهويّة الروح، جاءت مبادرات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، لتعزيز مكانة اللغة العربية، وترسيخ الهوية الوطنية، حيث قام سموه برعاية المبدعين في اللغة العربية، وإنشاء كليةٍ للترجمة، بالإضافة إلى ضرورة اعتماد اللغة العربية في المعاملات الحكومية الداخلية والخارجية، هذه المبادرات وغيرها، تؤكد على حرص القيادة الرشيدة على المحافظة على اللغة العربية، ورفعها إلى مكانتها التي تليق بها بين لغات العالم.

والحقيقة أنه يجب علينا أن نحذو حذو قيادتنا الرشيدة، ونوجه أبناءنا إلى تعلّم اللغة العربية بالطرق الصحيحة، فمن الجميل أن يتعلّم أبناؤنا اللغة الإنجليزية وغيرها، ولكن لا يكون ذلك على حساب اللغة العربية، اللغة التي سيتلون بها القرآن، وسيقرؤون بها تاريخ الآباء والأجداد، وسينشدون بكلماتها نشيد الوطن، وهم على دراية بكل معاني الفخر والاعتزاز، حتى يعلم الجيل القادم، أن لديهم حضارةً لا تقلّ أهمية من حضارات الآخرين.

هذه الخطوات التي تدعو إلى تعزيز مكانة اللغة، وعدم الإفراط في استخدام اللغات الأجنبية، وكتابة الأبحاث العلمية وغيرها باللغة الأم، هي الإصلاحات التي طالبت بها طائفة من علماء اليابان، تُدعى «واجا كوشا»، ففي القرن الـ 16، وقف هؤلاء المخلصون سدّاً منيعاً، في وجه أولئك الذين كانوا يحاولون إحباط الشارع الياباني، ويمنعونه من التفكير والابتكار.

وعندما عاد اليابانيون إلى كتابة البحوث وترجمة العلوم إلى لغتهم، وانتصرت طائفة «واجا كوشا» في معركةٍ بالأقلام، كانت أقوى من سيوف الساموراي في معركة «سيكي قهارا»، أصبحت اليابان مثالاً يحتذى به في الصناعة والتطوير، لذلك، أتمنى أن يأخذ المثقفون العرب عبرةً من هذا الدرس التاريخي، لأن اليابان تشبهنا كثيراً.

طباعة Email
#